#adsense

من أجل لبنان و… السودان

حجم الخط

من أجل لبنان و… السودان

عندما أعلن رئيس لجنة التحقيق الدولية المفوض دانيال بلمار، انطلاق اعمال المحكمة الخاصة بلبنان، انطلقت تساؤلات المشككين بجدوى هذه المحاكمات، وما اذا كان اكتشاف المحرضين والمنفذين سيوقف مسلسل الاغتيالات؟

المحقق بلمار اتخذ قراره بعد مضي اكثر من ثلاث سنوات شهدت نشاطات المحققين السابقين مثل بيتر فيتزجيرالد وديتليف ميليس وسيرج براميرتس وكان القضاة الاربعة – حسبما ذكر بلمار في كلمته الى الشعب اللبناني – يبحثون عن "الحقيقة" في عملية اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه اضافة الى 14 اعتداء ارتكبت في لبنان بين تشرين الاول 2004 وكانون الاول 2005. وكان من ضحاياها: سمير قصير وجورج حاوي وجبران غسان تويني والجنرال فرنسوا الحاج والضابط وسام عيد والنائب بيار امين الجميل والنائب وليد عيدو والنائب انطوان غانم.

وربما تسعى المحكمة الى اكتشاف الرابط الارهابي الذي يختار التصفيات حسب مؤامرة واسعة لم تبدأ باغتيال كمال جنبلاط ولن تنتهي بقتل انطوان غانم.

ومع بدء عمل المحكمة في "لاينشدام" احدى ضواحي لاهاي، ظهرت في الصحف اللبنانية حملات مركزة تشير الى تسييس هذه المحكمة مثلما سيّست محكمة الجنايات الدولية التي اتهمت الرئيس السوداني عمر حسن البشير بارتكاب جرائم حرب في اقليم دارفور. ويستدل من هذه المقارنة، ان شريحة كبيرة من الشعب لا تتوقع من المحكمة التجرد والاستقلالية والنزاهة كونها حددت هوية القاتل قبل ان يبدأ عمل لجنة التحقيق.
ولكن هذه الشكوك لم تحجب اسئلة المثقفين الذين شجبوا عمليات الاغتيال لأنها في نظرهم، فشلت في تغيير الاتجاهات السياسية في البلاد. وبما ان هدف الاغتيال هو انزال القصاص بالمستحق، واحراز تغييرات مهمة تقود الى اقامة نظام لمصلحة القاتل، فان عمليات التطهير الواسعة لم تحقق هذه النتيجة بعد.

والسبب ان الاغتيالات السياسية قد تبدل في مجرى التاريخ، ولكنها قطعا لا تبدل في افكار الناس ومعتقداتهم الثابتة. ذلك ان مقتل امين عام "حزب الله" السابق عباس الموسوي ورفيقه الشيخ راغب حرب لم يدفع السيد حسن نصرالله الى اعتماد موقف اقل عنفا ضد اسرائيل والولايات المتحدة. كما ان اغتيال ابرز المسؤولين العسكريين في الحزب عماد مغنية لم يفكك العلاقة الوثيقة بين "حزب الله" وسوريا وايران، حسبما توقع رئيس "الموساد".

يجمع المؤرخون على القول انه من النادر جدا ان يحقق القاتل الهدف السياسي من وراء انتقامه. وكثيراً ما تكون النتيجة مخالفة لرغبة الفاعل. والدليل أن غافريلو برنسيب قاتل ولي عهد النمسا فرانز فرديناند، لم يكن يتصور ان رصاصته ستشعل الحرب العالمية الاولى لأن النمسا انتقمت من المعتدي بمهاجمة بلاده صربيا (28 تموز 1914).

عندما عادت بنازير علي بوتو من المنفى وتولت مقاليد الحكم في باكستان كرئيسة وزراء، راهن خصومها على اغتيالها كحل اخير. ولكن ردود الفعل جاءت بزوجها آصف علي زرداري رئيساً، على عكس ما توخى القتلة.

ومثل هذه التجربة الفاشلة مورست في الهند سابقا عندما انتقم خصوم "حزب الاستقلال" من انديرا غاندي، فاذا بالشعب يختار نجلها راجيف لاكمال المسيرة السياسية التي راح ضحيتها من قبل المهاتهما غاندي.

والامثلة على نظرية فشل الاغتيالات السياسية في تحقيق اغراضها المتوخاة لا تحصى ولا تعد. ذلك ان عملية اغتيال الرئيس ابرهام لينكولن على يد وايكس بووث، لم تشعل الحرب الاهلية من جديد، ولم تنجح في وقف الدعوة الى تحرير العبيد. وهكذا اينعت ثمار تلك الدعوة بعد سنوات عدة، في حملة حقوق الانسان التي تسببت في مقتل مارتن لوثر كينغ. وكان من نتائج "الحلم" السياسي الذي مات من اجله، ان وصل باراك اوباما الاسود الى البيت الابيض!

هذا الاسبوع افتتحت في هولندا المحكمة الخاصة بلبنان بكلمة أوجزها رئيس قلم المحكمة روين روبن فنسنت بقوله: "نحن هنا من أجل معاناة أناس كثر… من اجل الآخرين وليس من اجل أنفسنا. ان استضافة المحكمة لا تجعل هولندا طرفا في مجرى الامور القانونية، ان مشاركتنا تقتصر على الدور الذي تلعبه الدولة المضيفة فقط".

وكما اضطرت الامم المتحدة الى نقل المحكمة الخاصة بضحايا لبنان الى هولندا بسبب تعذر عمل القضاء المستقل والنزيه، كذلك اضطرت سويسرا الى استضافة زعماء لبنان مرتين خلال فترة الحرب بسبب تعطل لغة الحوار الوطني. وربما يكون من الافضل للرئيس ميشال سليمان، نقل جلسات الحوار الى خارج لبنان، لأن البلبلة السياسية الداخلية لا تسمح للغة الحوار الوطني بأن تكون مفهومة او مقبولة!

هذا الأسبوع أيضاً، اصدرت المحكمة الجنائية الدولية مذكرة توقيف بحق الرئيس السوداني عمر البشير موجهة اليه سبعة اتهامات تتعلق بجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية في اقليم دارفور.

وعلق الرئيس السوداني على قرار المحكمة بالقول انه متحيز ومعاد، معتبرا ان مواقفه ضد اسرائيل هي التي شجعت على اتهامه باعمال لم يقم بها. ووصف العدالة الدولية بأنها "كذب وكلمة حق أريد بها باطل".

وكان بهذا الكلام يشير الى تجاهل المحكمة الجنائية الدولية للمجازر التي قامت بها القوات الاسرائيلية النظامية في غزة بتوجيه من وزير الدفاع ايهود باراك ووزيرة الخارجية تسيبي ليفني.

وكان من الطبيعي ان يثير توقيت صدور هذا الحكم حفيظة 54 دولة افريقية حاولت تأجيل القرار مدة سنة على اقل تقدير في انتظار مراجعة حيثيات الدعوى. كذلك سعت "منظمة الوحدة الافريقية" الى استقطاب تأييد شعبي ضد المدعي العام لويس أوكامبو، معتبرة ان المحكمة تتعامل بنزعة عنصرية مكشوفة مع الدول الافريقية، خصوصا ان مصر وقطر وليبيا كانت تنشط على مستويات مختلفة، بهدف اقناع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، بضرورة انتظار المصالحة السودانية – السودانية، أي المصالحة التي شهدت بعض الانفراج بين الخرطوم وحركة العدل والمساواة، برعاية امير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني. وقد ظهرت اولى بوادرها في اتفاق حسن النيات الذي تضمن ست نقاط أهمها: يوافق الطرفان (حكومة السودان ووفد حركة العدل والمساواة السودانية) على اتباع نهج شامل يخاطب جذور المشكلة ويحقق السلام الدائم في البلاد.

ثانياً، ضمان وصول مساعدات الاغاثة الى مستحقيها من دون أي عراقيل. ثالثا، الالتزام بتبادل الأسرى واطلاق المسجونين والمحتجزين بسبب النزاع، املا في بناء الثقة وتسريع العملية السلمية.

هذا، وتتألف دارفور الكبرى من ثلاث ولايات هي: شمال دارفور ويبلغ عدد سكانها حوالي مليون ونصف المليون نسمة موزعين على رقعة جغرافية تزيد مساحتها على 260 الف كيلومتر مربع، وغرب دارفور ويقدر عدد سكانها بمليوني نسمة، وولاية جنوب دارفور وتبلغ مساحتها 137 الف كيلومتر مربع ويقدر عدد سكانها بثلاثة ملايين نسمة.

ومع ان السودان ليس عضواً موقعاً على اتفاقية المحكمة، إلا أن مجلس الامن سيوفر وسائل إلقاء القبض على الرئيس عمر البشير، ان كان من طريق الانتربول أم من طريق منظمات امنية دولية. ويخشى السياسيون في السودان من عزلة الرئيس وتضييق الحصار حوله بحيث يعود حسن الترابي للانقضاض عليه بواسطة أنصاره داخل القوات المسلحة.

ويعترف الترابي في أحاديثه الصحافية بانه هو الذي ساعد البشير على تنفيذ انقلابه ضد محمد عثمان الميرغني والصادق المهدي. وقد طلب من البشير اعتقاله ايضا لإبعاد الشكوك والظنون عنه. ويبدو ان البشير "استطيب" الحكم، فاذا به ينقض على الترابي ويغلّ نشاطاته الحزبية، ويلقي به في غياهب السجن.

ويرى المراقبون ان الازمة الحالية تشكل منعطفاً خطيرا في تاريخ السودان الحديث، خصوصا بعدما راهنت الصين على نظام البشير ودفعت للحكومة مساعدات ضخمة مقابل استثمار آبار النفط في جنوب البلاد. ويقدر خبراء النفط ان الانتاج قد يرتفع من نصف مليون برميل يوميا الى مليونين في حال سمحت الظروف الامنية بتطوير الحقول المجاورة. ويتوقع ممثلو الامم المتحدة ان تشتد الضغوط الخارجية على المناطق الجنوبية، وتعود اسرائيل الى التدخل من جديد في محاولة لفصل الجنوب عن مركزية الخرطوم. وكانت واشنطن قد منعتها من تحقيق هذه الرغبة بعدما تعاون البشير معها وطرد لها اسامة بن لادن وكارلوس وغيرهما من مثيري الشغب ومشجعي الارهاب. ولكن المزاحمة الصينية – الاميركية على الفوز بمصادر الثروات الطبيعية، قد تعيد عقارب الساعة الى الوراء اذا تواصلت الضغوط الخارجية على نظام البشير.

يقول المدعي العام لويس أوكامبو، ان محكمة الجنايات الدولية تعاطت مع اربع حالات كان السودان آخرها. وسبق لها ان وجهت قرارات الاتهام الى اوغندا وجمهورية الكونغو الديموقراطية وجمهورية افريقيا الوسطى. ولم تستطع توقيف اكثر من سبعة اشخاص من اصل ثلاثة عشر شخصا. ولولا تعاون السلطات المحلية لما ظفرت بهذا العدد. لذلك يعمل البشير حاليا على اعادة تنظيم الحرس الخاص والاستخبارات العسكرية منعا لأي اختراق قد ينقله الى القفص الذي دخل اليه ميلوسوفيتش.

المصدر:
النهار

خبر عاجل