#adsense

الخارجية الأميركية تُبادٍر والخزانة تُعاقٍب

حجم الخط

دعوة كلينتون ايران لاجتماع حول أفغانستان سبقتها دعوة رايس ايران لمؤتمر شرم الشيخ حول العراق
الخارجية الأميركية تُبادٍر والخزانة تُعاقٍب

لم يتّضح بعد، وبشكل حاسم، حجم المتغيّر الذي ستدخله إدارة الرئيس باراك أوباما على السياسة الأميركيّة في الشرق الأوسط، والنهج الذي ستسلكه تجاه المشروع النوويّ الإيرانيّ والخيار الذي ستتبناه عند اللحظة الفاصلة، أي ساعة تكون ايران على قاب قوسين من صناعة القنبلة.

ولم يتّضح كذلك الأمر، المسارُ العام للخطوات الأميركيّة والأوروبيّة "شبه الإنفتاحية" تجاه حلقات أساسية من "منظومة الممانعة" الممتدّة من طهران إلى الضاحية الجنوبيّة لبيروت مروراً بدمشق. هل أنّها خطوات ترسم لنفسها سقفاً مسبقاً مفاده أن "الكرة في ملعبكم أيّها الممانعون"، أم أنّها خطوات تعترف بتعثّر غربيّ عام في السيطرة على فوضى الشرق الأوسط، ورغبة في "إدارة مشتركة" لهذه الفوضى مع الملتزمين المحليّين والإقليميين لها؟ أم أنّها تراهن على قناعة مشتركة بإرهاق كل الأطراف المتنازعة في المنطقة، ويُذكر أنّ المؤرخ والتر لاكور كان قد توقّع ذات يوم بأن لا تنتهي نزاعات هذه المنطقة من العالم، وفي مقدمها الصراع العربيّ الإسرائيلي، لا من خلال "الحسم" ولا من خلال "التسوية"، وإنّما من "فرط العياء".

وليس من شك أنّ أسلوب تعاطي "منظومة الممانعة" عموماً، وكل حلقة من حلقاتها على وجه التحديد، مع الخطوات الأميركيّة والأوروبيّة "شبه الإنفتاحية" ستكون عاملاً حاسماً في انضاج هذه الخطوات أو لجمها، وفي بلورة المسار الأميركيّ الأوروبيّ العام تجاه المنطقة، وتقرير حال السلم من حال الحرب فيها.

بيد أنّ الدول الغربية، وفي طليعتها الولايات المتحدة الأميركية، ليست تعلّق صناعة السياسة الشرق أوسطية الآن بإنتظار ردّات فعل الممانعين، كما لو كانت تخطب رضاهم، بل هي في آن واحد تقدّم تدابير عقابية لاجمة للتطرّف وحوافز مشجّعة على التخفيف من غلواء المتطرّفين.

ففي الأسبوع الماضي لوحده أمكن لإدارة الرئيس باراك أوباما أن تقدّم مؤشّرين لا يستقيم الجمع بينهما للوهلة الأولى.

فمن جهة، وسّعت وزارة الخزانة الأميركية العقوبات على أكبر مصرف حكوميّ في ايران، "بنك ملّي"، وأعتبرت أن "المجتمع الدوليّ بات مدركاً لمخاطر انتشار السلاح النووي التي يشكّلها بنك ملّي ايران"، وشملت العقوبات هذه المرة 11 مصرفاً تشكّل غطاء لـ"بنك ملّي"، وتضيّق هذه التدابير بشكل أو بآخر على قنوات رئيسية من تدفّق المال الإيرانيّ من خلال بعض المدن العربيّة.

ومن جهة ثانية، وفي إتجاه يبدو معاكساً تماماً، بادرت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري كلينتون – التي كانت تدعو خلال حملتها الإنتخابية قبل عام من تاريخه إلى محو ايران من الخارطة إن هي بادرت إلى تصنيع السلاح النووي إلى دعوة نظام الملالي إلى المشاركة في طاولة تنعقد في بروكسل أواخر الشهر الجاري، بشأن الوضع في أفغانستان.

تبدو مثل هذه الدعوة منسجمة تماماً مع روحيّة توصيات "تقرير بيكر هاملتون" الصادر في كانون الأول 2006، والداعي بشكل أو بآخر إلى منح حظوظ قويّة لفكرة التفاوض مع طهران. وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليسا رايس كانت ساهمت من جانبها في تزكية خيار "التفاوض الموضعي" مع ايران، من خلال إشراكها في التفاوض حول الوضع في بلد مجاور لها. كان لرايس الدور الرياديّ في حضّ كل من ايران وسوريا على المشاركة في مؤتمر العراق الذي عقد في شرم الشيخ في 3 و4 أيار 2007، فكان وزير الخارجية الإيراني منوشهر متكي قطباً أساسياً فيه، وأعطيت رايس يومها ضوءاً أخضر من الرئيس جورج بوش الإبن بأن تكون "مهذّبة لكن حازمة مع متكي".

كوندوليسا رايس كانت سبّاقة إذاً في هذا المجال. لكن الفارق الأساسيّ بين الإدارتين الجمهوريّة والديموقراطية هو أن الأولى كانت تتفاخر بالعقوبات التي سنّتها ضد ايران وتحاول أن تخفي بادرات الإنفتاح الجزئيّ تجاهها، في حين أن الإدارة الديموقراطية تكاد تتفاخر بقدرتها على الإنفتاح الدبلوماسيّ في إتجاه ايران أو سوريا، وتحاول أن تخفي ثباتها على سياسة العقوبات، وهو ما تعبّر عنه التدابير الأخيرة لوزارة الخزانة الأميركية. يبدو الأمر كما لو أن البادرات "الإنفتاحية" مع الممانعين هي "الموضة" الرائجة حالياً من فرنسا إلى بريطانيا إلى الولايات المتحدة، في حين أنّ العقوبات التي تتطلّع إلى تبطئة المشروع النووي الإيراني قدر الإمكان، ما زالت هي المرتكز الأساسيّ.

وبشأن أفغانستان الذي ستدعى ايران إلى بحث مسألتها، فإن وزير الدفاع المخضرم بين ادارتين، روبرت غيتس، كان وجّه اتهاماً قبل عامين، بمسؤولية السلطات الرسمية في طهران، عن شبكات تتدفّق من خلالها الأسلحة على حركة طالبان. هذا في الوقت نفسه الذي كانت تتخوّف فيه ايران من احتمالات استفادة الأميركيين مجدّداًً من بعض حركة طالبان لتشجيع انعدام الإستقرار في المناطق الإيرانية المتاخمة لأفغانستان.

والحالُ أنّه، بخلاف مؤتمر العراق الذي عقد في شرم الشيخ قبل عامين، والذي يتناول سبل اعادة الإستقرار الى البلد الجريح، وامكانية مساهمة ايران في هذا الشأن، أو مساهمتها بشكل أساسي في وقف تهديد استقرار البلد الجار، فإن أي نقاش تدعى اليه ايران ويتناول أفغانستان، سوف يضيء بشكل أو بآخر على قدرة ايران على تهديد استقرار أفغانستان، وقدرة الوضع غير المستقرّ في أفغانستان على تهديد استقرار ايران.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل