لأجل لبنان الدولة
تستحق ولادة المحكمة ذات الطابع الدولي الخاصة بلبنان أكثر من احتفال. فهي ليست منصَّة للعدالة فحسب، بل ومدماك رئيس في طريق بناء دولة انتفاضة الأرز.
إن نزول اللبنانيين إلى ساحة الشهداء يوم 14 آذار 2005، ومعاندتهم في تأكيد التمسك بشعاراتهم تلك في 14 شباط من كل عام تلا، لا يكفي وحده لبقاء الدولة التي ينشدون. فأي دولة لا ينفرد القضاء فيها بالعدالة، تكون منقوصة السيادة، في الداخل وأمام الخارج، ولو سلَّم أبناؤها بسلطتها عليهم. فكيف إذا كانت أبوابه مشرعة لـ"قدر" من الخارج يفرض أحكامه على اللبنانيين وينزل فيهم العقوبات التي يريد، متفاوتة بين السجن في غياهب قد لا يعود منها، أو الاغتيال. وفي الحالين لأسباب لا يعرفها إلا الجلاد، وله أن يقرر وجاهتها، ولو كانت وشاية وظلماً.
كان اللبنانيون حين يغادرون بلدهم براً، يتلون الدعوات والصلوات إذ يصلون إلى المعبر الحدودي، لا سيما من كان منهم ذا موقف نقدي، في الحد الأدنى، من النظام الأخوي المجاور، لا لشيء سوى اقتناعهم أن أهل هذا النظام يعتبرونهم من رعيتهم، وعليهم أن يثبتوا براءتهم من اي شك يحوم في "عقل" العسس الذي يدقق في أوراقهم الشخصية. فأي تشابه في الاسم، أو بعض أحرف الاسم، مبرر الاعتقال، وفي الحد الأدنى للإهانة. ولا يشفع أي اختلاف بين أسماء الأمهات، وحتى الآباء، للبراءة. حتى منطق مرور الزمن، على موقف ما، لم يسمع به هؤلاء، ولا "ينظف" "المتهم" من تجرُّئه على إبداء موقف حاجج به يوماً "القائد" و"حزبه"، في جلسة مقهى.
لم يقف تخطي السلطة اللبنانية، وقضائها عند هذه الحدود. فلا أحد ينسى خطف الكاتب الصحافي ميشال أبو جودة في 3 تموز 1974 في صندوق سيارة ثم إعادته بوساطة من الرئيس سليمان فرنجية.
كما لا ينسى المخضرمون أدوار النظام "الاخوي" في التدخل في الشأن الداخلي اللبناني مرة بتحريك القرى الحدودية في الداخل اللبناني ضد السلطة المركزية، ومرات بتحريك النزاعات الداخلية. وبين هذه وتلك كانت اعتقالات الأفراد لـ"مقتضيات" تحقيق لدى "الشقيقة" تجري تحت أنف القضاء اللبناني والقوى اللبنانية الأمنية ويعبر "المعتقلون" الحدود علناً، وعلناً لا يعودون.
وفي كل الحالات، كان الاعتراض اللبناني الرسمي إما صامتاً وإما غائباً. وزاد التمادي تمادياً، فيما زاد الصمت صمتاً.
وتقدم الأول إلى الاغتيال السياسي بقوة حين وجدت الوصاية طريقها إلى حكم لبنان علناً بقرار عربي وببركة دولية، فاغتيل الزعيم كمال جنبلاط ثم الصحافيان سليم اللوزي ورياض طه، وكرَّت السُّبحة بلا رادع وصولاً إلى النائب ناظم القادري، والرئيسين بشير الجميل ورينه معوض، والمفتي حسن خالد، وغيرهم.
كانت "الخوّة" الأمنية تقنع اللبنانيين بأن الوطن باقٍ لكن الدولة اللبنانية تزول أو إلى زوال. وكان الأمن المستعار، أو الأمن الممسوك يهجّر اللبنانيين بحثاً عن دولة تحميهم وتحمي الوطن الذي يحملونه في ضلوعهم.
وحين أطلق الرئيس الشهيد رفيق الحريري عملية إعادة الاعمار والنهوض بالبلاد، أعطى اللبنانيين، في الخارج قبل الداخل، الأمل في عودة الدولة إلى وطنهم، لكن اغتياله أشعرهم بأن الأمل الذي زرعه مهدد بالاجتثاث إن سكتوا مرة أخرى على يد الغدر، وإنَّ وقفتهم وحدها في وجهها تحفظ طريقهم إلى الدولة.
الاول من آذار لم يشهد إعلان بدء عمل المحكمة الدولية لأجل لبنان، بل هو اليوم الفعلي لولادة دولة ثورة الأرز، حيث لا يفلت مجرم من عقابٍ مهما كبُر، ومهما تجرَّأ في جرائمه.
"المحكمة الخاصة لأجل لبنان" وفق تسميتها الرسمية هي فعلاً لأجل لبنان، لانها حجر الاساس في إعادة قيامه، لا يسنده سوى الاقتراع في السابع من حزيران لغالبية ديموقراطية تنهي هرطقة الثلث المعطّل، وتعيد الى الفصل بين السلطات دوره.