المحكمة الدولية أمر واقع.. والقمة العربية في 30 الجاري "موعد حثّ".. و"جزرة قانون محاسبة سوريا" بعد انتخابات لبنان
7 حزيران محطة فاصلة لعلاقة المجتمع الدولي بدمشق
في الأيام الماضية، تعاقب قادة الرابع عشر من آذار على الإدلاء بمواقف تعربُ عن "الإطمئنان" حيال "الإنفتاح" السعودي ـ السوري من جهة و"الاتصال" الأميركي ـ السوري المُستأنف من جهة ثانية، وتذهب ـ المواقف ـ الى حد إعتبار أن في الأمرين ـ "الإنفتاح" و"الإتصال" ـ خيراً للبنان وفائدة.
المحكمة خارج البحث
لا بد أن وراء هذا "الإطمئنان" الـ14 آذاري عوامل ومعطيات.. ومؤشرات.
فمما لا شك فيه أولاً أن "تزامن" الإنفتاح السعودي على دمشق وعودة الإتصال "الأميركي" بسوريا مع قيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان وإنطلاق عملها في الأول من آذار الجاري، يشكل مصدر إطمئنان. ذلك أن هذا التزامن يلغي بشكل شبه تلقائي أي التباس يمكن أن يحيط بالمحكمة جراء التفاوض السياسي على تخومها، ويعلن ـ التزامن ـ أن التفاوض الجاري مع سوريا يتم إنطلاقاً من أن ثمة أمراً واقعاً هو المحكمة.
مبادرة خادم الحرمين و"ملحق الفيصل"
غير أن قراءة "متمعّنة" في السياقات السياسية، تفيد أن هناك معطيات "إضافية" تفسّر "الإطمئنان" الـ14 آذاري وتبرره.
وفي هذا المجال، لا بد من "ملاحظة" أن قيادة "النظام العربي" الرسمي، انتقلت في الفترة بين القمة الاقتصادية في الكويت في كانون الثاني الماضي وهذه الأيام، الى "المبادرة".
فإذا كان خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبد العزيز، أطلق في قمة الكويت مبادرته لتحقيق "المصالحة العربية" ووضع المبادرة العربية للسلام تحت عنوان انها لن تبقى على الطاولة الى الأبد، فإن المملكة العربية السعودية ـ أي ديبلوماسيتها ـ قطعت منذ مبادرتها تلك أشواطاً إضافية على طريق توضيح أبعادها ومراميها. حتى ليمكن القول بلا تردد إن ما أعلنه وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل في اجتماع مجلس وزراء الخارجية العرب الأسبوع الماضي، كان بمثابة "ملحق" لمبادرة الملك عبدالله. ذلك أن الفيصل رسم إطار "المصالحة العربية". فهي "مصالحة" على قاعدة التوحّد العربي في وجه التطرف الإسرائيلي. وعلى قاعدة التوحد العربي في وجه "التحدي الإيراني". وإذا كانت المبادرة العربية للسلام تمثل المشروع العربي في وجه إسرائيل وسياساتها، فإن وضع حدّ لـ"الخروق الإيرانية" في الوضع العربي هو بداية السبيل الى معالجة قضايا العلاقات العربية ـ الإيرانية.
بين سوريا والنظام العربي موعدُ 30 آذار
في مناخ إنتقال قيادة "النظام العربي" الرسمي الى "المبادرة"، كان التحرك المصري أيضاً على خط الملف الفلسطيني. أي على خط استعادة فلسطين الى الحاضنتَين الفلسطينية والعربية وإخراج إيران منها. وهو التحرك ـ المصري ـ الذي "يُفترض" أن يصل الى خواتيمه بين بدء حوار اللجان الفلسطينية الخمس غداً ونهايته بعد عشرة أيام.
وراء "الإطمئنان" الـ14 آذاري حيال "الإنفتاح" السعودي ـ السوري، أن المحكمة الدولية باتت أمراً واقعاً. لكن وراءه أن قيادة "النظام العربي" الرسمي في موقع مبادر، وأن النظام السوري في ضوء ذلك، موضوع أمام مسؤولياته، في مجال لعب دور بناء على مستوى استعادة العرب للقرار العربي.
وبصرف النظر عما أسفر عنه "الإنفتاح" السعودي ـ السوري، كما بصرف النظر عن الوجهة "الأخيرة" التي سيحددها النظام السوري لنفسه، فإن القمة العربية التي تنعقد في الدوحة في 30 آذار الجاري، ستشكل محطة "فاصلة" على صعيد علاقة سوريا بـ"النظام العربي" ومصالحه.
لبنان في "الإتصال" الأميركي ـ السوري
لكن ماذا عن عودة "الإتصال" الأميركي ـ السوري و"آخر" ما فيه زيارة المسؤولَين الأميركيين جيفري فيلتمان ودانيال شابيرو الى دمشق أول من أمس؟.
ثمة ملفات متعددة في مجال العلاقة الأميركية ـ السورية. بيدَ أنه لا جدال في "حقيقة" أن "الملف اللبناني" يتصدر سائر الملفات.
هنا أيضاً، يُستأنف "الاتصال" الأميركي ـ السوري وقد باتت المحكمة الدولية أمراً واقعاً.. خارج التفاوض السياسي.
تأخير السفير الأميركي في سوريا
غير أن ما نُقل عن فيلتمان وشابيرو يؤكد أن واشنطن ليست، في الشهور القليلة المقبلة، في صدد استعادة "كاملة" للعلاقة بسوريا، بل في صدد مراقبة السلوك السوري، في لبنان تحديداً لتبنيَ على الشيء مقتضاه. وما نُقل عن فيلتمان وشابيرو، لم تتأخر وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون في الإفصاح عن "معناه" المباشر: لا تعيين لسفير أميركي في دمشق في "الوقت الحاضر". وهو قرارٌ ذو علاقة بملفات عدة، لكنه يتصل بالوضع في لبنان قبل أي شيء آخر.
وفي لقاءاتهما في بيروت، أكد المسؤولان الأميركيّان أن لا إنفتاح اميركياً جوهرياً على سوريا قبل 7 حزيران المقبل، موعد الانتخابات النيابية اللبنانية، حيث سيكون السلوك السوري في الأشهر الثلاثة المقبلة حيال لبنان وإنتخاباته موضع متابعة و"مراقبة".
"جزرة" ملاءمة تنفيذ "قانون المحاسبة"
وفي تحليل لـ"الموقف" الأميركي قام به عدد من المحلّلين "المحلّفين"، أن الولايات المتحدة التي تبلّغت استعداد سوريا للانتقال الى مفاوضات مباشرة مع إسرائيل في "أي وقت" تكون إسرائيل مستعدة، أبدت ترحيبها بهذا الموقف السوري. لكن الترحيب إقترن بتأكيدَين. الأول أن واشنطن تنظر بإيجابية الى مبادرة السلام العربية باعتبارها إطاراً لـ"تسوية" شاملة، و"تأمل" أن يكون التفاوض السوري الإسرائيلي ـ عندما يحصل ـ منسجماً مع منطلقات المبادرة العربية وتوجهاتها. والثاني أن واشنطن ليست مستعدة لـ"شراء" الاستعداد السوري للتفاوض المباشر مع إسرائيل، أي أنها ليست مستعدة لأن "تبيع" سوريا شيئاً في مقابل ذلك، وعلى قاعدة أن سوريا "مطالَبة" ولا يحقّ لها أن تكون "مطالِبة"، في لبنان خاصة. وبالمناسبة، يقول المحللون "المحلّفون" إن واشنطن ستكون، بعد 7 حزيران وإذا كان السلوك السوري إيجابياً، أي غير تعطيلي، وإذا أعطت دمشق إشارات إنضواء تحت الشرعيّتين العربية والدولية، مستعدة لـ"النظر" في كيفية ملاءمة تنفيذ "قانون محاسبة سوريا" مع المتغيّرات في السلوك السوري إذا حصلت بالفعل.. ولا مجال آخر للبحث فيه، علماً أنه مجالٌ مهم في رأي أميركا، في مجال إعادة تأهيل سوريا دولياً. وذلك كله، فيما لا يبدو أن أمر التفاوض السوري ـ الإسرائيلي يتجاوز "إعلان النوايا"، لأن لا شيء ملموساً من كلا الجانبين السوري والإسرائيلي الآن بشأن أفق محتمل للتفاوض.
محطّتان "فاصلتان"
وراء "الإطمئنان" الـ14 آذاري إذاً أن هناك محطتين مفصليّتين وفاصلَتين محدّدتين للنظام السوري: محطة القمة العربية في 30 آذار الجاري من جهة ومحطة الانتخابات اللبنانية في 7 حزيران المقبل من جهة أخرى.
في خلال هذه الشهور الثلاثة، إما أن تنجح الشرعيّتان العربية والدولية في "احتواء" سوريا.. وإما أن بعد 7 حزيران مرحلةٌ "مستأنفة" من "الكباش" العربي ـ الدولي مع دمشق. وبهذا المعنى، فإن "الإطمئنان" الـ14 آذاري مصدره أن الحراك العربي ـ الإقليمي ـ الدولي ليس على حساب لبنان، وهو إيجابي للبنان تالياً.. أي فرصة للخروج من التعطيل الذي يستهدفه ويشلّه.