#adsense

“شرعة” لزمن التهافت !

حجم الخط

"شرعة" لزمن التهافت !

تشكل الشرعة الكنسية للعمل السياسي التي اصدرتها سائر الكنائس اللبنانية الاسبوع الماضي ثالث اهم وثيقة وضعت خلال العقد الاخير بعد وثيقة السينودس من اجل لبنان ووثيقة المجمع الماروني، بالاضافة الى ورقة الثوابت المارونية.

هذه الشرعة جاءت بمضامينها ونصها على نحو اجمالي بمثابة امتداد لخط بياني كنسي يسعى بقلق شديد، بل منقطع النظير، الى استنهاض سلوكيات سياسية واجتماعية مسيحية ورفعها الى مستوى المواجهة الحقيقية لخطر التراجع المسيحي المخيف ان على المستوى الديموغرافي في لبنان والمحيط العربي والشرق اوسطي عموما وان على المستوى السياسي المباشر في لبنان.

لا داعي بطبيعة الحال للاستغراق في قراءة هذا القلق الماثل لدى "الكنيسة" عموما بصرف النظر عن اي كنيسة مارونية او كاثوليكية او ارثوذكسية، لان الامر اكل من مختلف الجهود التي تعاقبت منذ وضع وثيقة السينودس من اجل لبنان ردحا طويلا مضنيا وسيستهلك المزيد بعد. ولكن ما يستوقف في الشرعة الاخيرة، الى اهمية النص، هو ملامح غضب مكبوت لدى واضعيه حيال التداعي الهائل في السلوك السياسي والخطاب السياسي والآليات السياسية من جهة ونزوع الشرعة الى التعويض وسد الثغرة المخيفة في هذه المسارات المتهالكة. وهو امر يظهر بوضوح نافر عبر مضي الشرعة الى وضع "نظام" متكامل للاصول السياسية ويومياتها وصولا الى طرح مفاهيم تفصيلية بالغة الاهمية في علاقة الكنيسة بالدولة وتحديد ركائز لإنهاض الدولة نفسها عبر انهاض السياسات المسيحية المتصلة بمشروع "الدولة المدنية".

تتسم هذه الشرعة من هذه الناحية بأهمية استثنائية محققة خصوصا من حيث توقيتها، اذ تسقط بمضمونها على اللحظة السياسية الشديدة الانفعال في لبنان، عشية الانتخابات النيابية، كأنها "الميثاق" الجديد غير المعلن للوسط السياسي المسيحي برمته من دون اي تأثر الا بالخط البياني الكنسي الذي يعلي اخلاقيات السياسة والاصول الديموقراطية في مسألة فصل الدين عن الدولة الا حيث تلامس القضية خطوط تغيير لا تقبله الكنيسة اي مع مسألة علمنة الدولة. ومع ذلك فان هذه الاهمية تنبع من كون كنائس لبنان تدفع بقوة نحو ارساء الدولة المدنية عبر برنامج حسي تنفيذي ومبادئ تفصيلية تكشف عبرها انها قادرة تكرارا على ان تكون الرافعة الدينية والاجتماعية والوطنية لمشروع الدولة المدنية.

يأخذ هذا البعد مداه "التاريخي"، اذا صح التعبير، في كشف قصور السياسيين والقوى الحزبية والتيارات الذين يظهرون ازاء هذه الشرعة كأنهم امام مضبطة اتهامية ضمنية تسألهم ماذا فعلتم بالمسيحيين وعبرهم بالنظام المتألق الحضاري للبنان سحابة عقدين بعد وقف الحرب، واقله ماذا تفعلون الآن عبر هذا التهافت الخيالي الاسطوري للقامات السياسية والبرامج الخلاقة والدينامية التي يتطلبها واقع لبنان؟

لا تنحو هذه الشرعة الى وحدة مسيحية تذويبية غالبا ما تطرح كردة فعل على حروب الاخوة – الاعداء المستمرة بوجوه متلونة وقبائلية تحت شعار زائف هو التعددية، بل تلامس التعددية الفعلية و"تحرض" عليها من منطلق اسس ديموقراطية حوارية حقة باتت عملة منقرضة لدى الشرائح المسيحية السياسية في ما بينها. وليس ادل على هذا التقريع الكنسي للوسط السياسي من ان الشرعة نفسها شكلت صفعة لهذا الوسط لمجرد صدورها عن كل الكنائس اللبنانية كنموذج حي ناطق للاعتراف بالآخر وامكان التوصل بين مختلفين الى نظام كامل بل الى ميثاق كامل عابر للطوائف نفسها.

ونقطة اخيرة لا بد من تثبيتها في هذا السياق، هذه الشرعة هي شهادة اضافية من كل كنائس لبنان لبكركي، بانها ام لبنان. وكفى.

المصدر:
النهار

خبر عاجل