تعطيل الانتخابات تعطيل استقلالية الدولة
انعقدت الجولة الحوارية الخامسة لبحث موضوع الاستراتيجية الدفاعية كونها محور الاهتمامات الوطنية والأمانة الرئاسية التي التزم بها رئيس الجمهورية ميشال سليمان يوم استلم مقاليد الحكم، والذي لا يختلف احد بأن الرئيس سليمان يبذل جهوداً حثيثة لإنجاح هذا الملتقى الحواري لإضفاء موقعه الرئاسي التوافقي بين كافة الفعاليات. وفي اتجاه آخر نلحظ ان هذا المسعى يراوح مكانه ولا بوادر جادة في حسمه في وقت زمني قريب او على الاقل قبيل خوض الانتخابات النيابية طالما طرح الفريق المتحالف الاقلوي لا يزال غامضاً ويفتقر الى الوضوح العلني خلال فترة زمنية محدودة لحسم هذا الملف، بما يفسر ان الانتخابات المقبلة هي بين "قلعة" الاستراتيجية الدفاعية الفاصلة الحاسمة و"قلعة" الاستراتيجية الدفاعية المؤجلة المفتوحة، وكذلك بين "قطبين" متنافسين على المنصة الانتخابية، اولهما القطب الاستقلالي الذي اخذ على عاتقه الالتزام بالتهدئة والاتزان والتعقل ضد محاولات الاستفزازات والتجاوزات بهدف عدم جر البلد الى مالا تحمد عقباه وتجنيبه الوقوع في فتنة طويلة الأمد، فها هو كذلك يسلك المسار والمبدأ ذاته ويبدو انه متشبث بمنهج استكمال مسيرة الاستقلال عبر التجمع الجماهيري الحاشد في 14 شباط على ساحة الشهداء والذي ايضاً يمثل طريقاً لا حياد ولا التفاف عليه من اجل انتزاع الحق من اولئك العابثين بالسلم الأهلي من خلال المحاكمة الخاصة بلبنان. ويؤكد كذلك حرص الجمهور العريض بتفويضه المباشر لقادة قوى الأكثرية يوم الاستحقاق الانتخابي للبرهنة مرة اخرى ان الجمع الغفير لن يستسلم ولن يسلم البلد الى من يسعون لجعله ميداناً مفتوحاً للمعارك الضارية وأركاماً من الذخائر والقذائف تحت الأصوات التخوينية والتصريحات المهينة وغيرها من التعابير الفاقدة لأدبيات اللباقة السياسية تقودها شخصيات لم تعد تمثل توجهها الحر البناء وانما باتت في الواقع أداة حرب اعلامية توظف لصالح غيرها لا سيما كلما اقتربت مواعيد الاستحقاقات الحاسمة. أما القطب المنافس الآخر الذي يؤمن شرعية التحرير كأغنى هدية لأنصاره ومقربيه ومموليه فلا يعتمد حالياً سوى لغة الفوز الضروري بقوة أثناء الانتخابات لقلب المعارضة المشاركة الى سلطة حاكمة نافذة حتى يمكنها الفصل النهائي بين قوة متحررة ومتحركة بل مهيمنة على مساحات مناطقية وقوة أخرى تمثل المشروع الاستقلالي بصفتها كتلة معتدلة مهادنة ومسالمة لا ترضى إلاّ بحياة المساكنة والديموقراطية المستقرة، ولا تؤمن إلا بضرورة الاستماتة على مواقفها الاستقلالية بالتركيز على وقف التدخلات في الشؤون الداخلية والعمل على منع دعم العناصر المتنقلة المسلحة والتصدي لتأثيرات الوصاية ومفاعيلها في التمثيل الانتخابي.
إذا نظرنا الى مفهوم استقلالية الدولة فهو ليس محصوراً بحيادية، وعزل لبنان عن المجريات الإقليمية كما تعتقده بعض قادة المرجعيات السياسية، وإنما بخلاف تلك التصورات القائمة على تعزيز هيبة الدولة بتفعيل دورها الحقيقي من خلال المؤسسات الدستورية القانونية في جميع المسائل العالقة، ولعل أهمها حتمية إنجاح الاستراتيجية الدفاعية كموضوع رئيسي وإجراء الانتخابات في ظل أجواء آمنة بعدما أنجزت ثورة الأرز مكسبين جوهريين: إجلاء قوات الوصاية ومباشرة المحكمة وظائفها الإدعائية. هذه المحكمة التي وصفتها الأوساط السورية الرسمية بأنها فلكلورية أمام وزراء الخارجية في مقر الجامعة العربية يلفت الانتباه حول النوايا الفعلية تجاه الواقع اللبناني الراهن، لا سيما أن عمداء دمشق أطلقوا سابقاً أن أحكام المحاكمة باطلة، بما يكشف مدى الاستخفاف بمعرفة حقائق الجريمة الكبرى، ويظهر كذلك الاعتراض بشكل وآخر على إعطاء المحكمة دورها في فضح هوية المرتكبين الآثمين بغية ترسيخ الأمن الجماعي والسلم الأهلي اللذين يسعى الى تحقيقهما أبناء هذا الوطن بمحض إرادتهم وقوة عزيمتهم، فضلاً أن محاولات تعطيل الانتخابات هي تعطيل لإستقلالية مؤسسات الدولة في ممارسة مهامها المنوطة، إما بغرض دفع الدولة نحو منعرجات خطيرة وإدخالها في دوامة شائكة بتوسيع الهوة بين المحورين السياسيين وتفاقم التعقيدات بينهما، وإما لإحداث فراغ يضع المجتمع برمته تحت رحمة الاحتمالات والتوقعات كافة على وتيرة ما حصل من اعتصامات واضطرابات التي كادت أن تعيد الحرب الأهلية الى الواجهة تحت ضغوط إقليمية.