#adsense

الخبر اليقين في لاهاي

حجم الخط

الخبر اليقين في لاهاي

اذا كنا اليوم على مفترق طرق، وعلى قاب قوسين او ادنى من كشف الحقيقة. واذا كانت هذه اللحظات التي نعيشها تشكل منعطفا تاريخيا ليس على مستوى لبنان فقط، وانما لكل المجتمعات الحرة في كل مكان، فانه بات من المؤكد ان هذا الحدث، حدث انطلاقة المحكمة الدولية، لا يوازيه حدث في العصر الحديث وعلى مشارف هذا القرن. حدث ستبان فيه الحقيقة ناصعة جلية. حدث تجلى في المحكمة الدولية. محكمة ستقتص من كل يد امتدت الى شرفاء وجبابرة لبنان، قادة الفكر والرأي. واذا كان هنالك من جهد قد دفع هذه المحكمة الى الامام، فلا شك في ان هنالك جهات محلية ودولية كان لها الفضل الاكبر في نشوئها وانطلاقتها وفي طليعتها قوى 14 آذار والامم المتحدة، مضيفين الى ذلك جهود السلطات اللبنانية التي عملت جنبا الى جنب مع الامم المتحدة، ومع الدولة المضيفة (هولندا). دولة نقدر ونثمن عاليا ضيافتها وحسن حفاوتها بهذه المحكمة.

وفي هذا المجال نعود فنذكر بما قام به السيد نيكولا ميشال من جهد، ومن ثناء على الذين تعاون معهم في لبنان، معلنا احترامه لهم مثمنا الانجازات المشتركة، لا سيما منها قيام المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، خاصة وانها تحمل في ثناياها ما لم يحمله حدث في تاريخ لبنان، فضلا عن هذه التبعات المهمة، وهذه الرزمة من مسلسل الاغتيالات والتفجيرات على مدى اربع سنوات ونيف. ويوم مغادرته لبنان قالوا له: لقد زودناكم بالامن، فأثلجوا صدرنا بكشف الحقيقة في وقت يلم فيه تمام الالمام بما يأمله الشعب اللبناني من هذه المحكمة وثقتهم بها. ومدى معرفته وحدسه بما يصدر عنها من نتائج. لذلك، من غير الممكن البطء بالعمل، او تناسي المهمة التي انتدبت من اجلها، والعمل بشكل حيادي ودؤوب سعيا وراء الحقيقة أنى كانت، واين كانت والبحث عنها بكل ما اوتيت من قوة لافتا الى ان ولادة المحكمة كان بسبب سلسلة اغتيالات وجرائم حدثت في لبنان، وفي مقدمها جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، ومهما يكن من امر، فان هذه المحكمة فريدة من نوعها، محكمة ذات طابع دولي، انشئت خصيصا لمكافحة الارهاب. فصحيح انها ولدت بقرار سياسي، ولكن احكامها قضائية لا تمت بصلة الى السياسة، لا بل ارقى وأجلّ، حيادية وبعدا عن السياسة والتسييس، علما ان مهمة المحكمة الخاصة بلبنان، محاكمة من اغتالوا وقتلوا وارهبوا وبثوا الرعب في نفوس الشعب اللبناني، محاكمة ستتم انسجاما مع اصول الاجراءات المعمول بها دوليا والمستوحاة من مبادئ العدالة المعهودة دوليا، ومهما كانت نتائج التحقيقات، فلن تكون في دائرة التأثير والضغط السياسي، بل في دائرة الاصول القانونية. وبهذا المعنى نذكر بأن المحكمة غير معنية بأي ضغط وبالتالي هي مجردة من اي خلفيات سياسية، مهمتها الاساسية محاكمة المتهمين بالقسطاس (بالعدل). لا بالجور، وبعيدا عن الهوى والميول، سيما وان احدا لن يخرج من قفص العدالة الا بما يستحق سواء اكان ذلك براءة ام اقتصاصا من الجاني في حال ثبت ذلك. وعلى هذا، لن يضيع حق طالما ان هنالك مصداقية، وان الجميع سيكونون سواسية امام القانون وان احتراما سيكتنف كل من سيخضع للمحاكمة سيحفظ حقوقهم وكراماتهم. هذا، في وقت ستأخذ العدالة مجراها، وقنواتها القانونية، ومصداقيتها كسبا لثقة الجميع، خاصة وان الحيادية ستكون في مقدمة عمل المحكمة للخروج بنتيجة اياً كانت النتيجة سيما وان الشعب اللبناني قد اولى الثقة للمحكمة ذات الطابع الدولي والتي كان من اهم عناوينها عند انطلاقتها الحيادية والاستقلال والقوانين المعمول بها في شرعة حقوق الانسان. وما يجب التنبه اليه ما يثيره البعض من شكوك حول ما سيسفر عنه عمل هذه المحكمة، وما سيصدر عنها من نتائج قد تصيب البعض في الصميم. وما يجب الاقتناع به هو ان لا ضغوط سياسية، وخارجية مهما عصفت رياح على ما قد يصدر من قرارات واحكام. وفي هذا المضمار نعود فنؤكد بأن لا شيء قد يحصل من وراء الستار بل الامور كلها جلية وواضحة سيما وان الاعلام المرئي والمسموع والمكتوب سيعمل جاهدا لايصال الحقيقة الى الناس، لحظة بلحظة وبكل دقة بعيدا عن التزوير والتحريف وفي وقت نتوقع الكثير الكثير مما لا يتوقع، وفي وقت تخطر بالبال اشياء من صنع الخيال، الا انها في نهاية الامر والمطاف ستكون واقعا وحقيقة وستنزل السيف على رؤوس ورقاب المعتدين والمضللين مما قد يضع حياة البعض في دائرة الخطر يوم تدق الساعة، ويوم تظهر الحقيقة.

فمهما طال الوقت فالعدالة ستبسط جناحيها على امتداد ارض الوطن ارض لبنان المشبعة بالامن والسلام تاريخيا، ارض القداسة والطهارة، ارض ليس بمقدور احد احراقها او ادخالها في اتون حرب جديدة واغراقها في سيل من الدماء.

فالمحكمة بدأت وكل سيواجه مصيره، مثمنين كلام المدعي العام القاضي دانيال بلمار رائدنا العدل، وليس اي شيء آخر. وهنا، لا بد من توجيه تحية اجلال واكبار لكل من ساهم بنشوء واطلاق ساعد المحكمة الدولية، والدفع بها الى الامام. وبهذا المجال نقول للحرصاء على مصير لبنان بسبب قيام المحكمة الدولية، ونذكرهم بأن لا مجال بعد اليوم للتراجع والتخلي عن كشف الحقيقة، والسير في ركب الفتن والمحن، كما نذكر السذج والبسطاء من الشعب اللبناني بأن لا قيام لدولة في ظل الفوضى وفقدان العدالة وان لا استتباب للامن اذا برأ القتلة لانهم في هذه الحالة سيعيدون الكرة مرة ثانية وسيقومون بمزيد من الاعمال المخلة بالامن والاستقرار، لا بل سيجعلون من هذا البلد ساحة مفتوحة ومكشوفة للآخرين. وللتذكير فقط نحن الذين لم نبخل بتقديم الرخيص والغالي من اجل قيامة لبنان والحفاظ على الدستور والمؤسسات وعلى تحييد لبنان وتجنيبه هذه الرياح الهوج داخليا واقليميا. واذا قدمنا كل ما نملك دعما للمحكمة، فاننا نعود فنؤكد باننا لن نحجم عن تقديم المزيد، وفي نفس الوقت نضع ايدينا بأيدي رافعي شعار الحق والعدالة، وايدي القيمين على المحكمة في لاهاي، وبكل من يعمل في هذه المحكمة رفعا لمعاناة وعذابات الشعب والناس في لبنان. فما تحقق حتى هذه اللحظة يشكل انجازات قطعنا من خلالها نصف الطريق.

وكون شهدائنا جميعا مغيبين واحياء استشهدوا بفعل هذه الاغتيالات، وبفعل ايد اجرامية طالت قادة كبارا من لبنان، فاننا نحيي صحوة الضمير العالمي هذه، ونذكر بأن لبنان من اقصاه الى اقصاه يحتضن الشهداء ومسيرتهم التي تجسدت اكثر ما تجسدت في ثورة الارز والاستقلال ومنجزاتها، وان من يحاول قصم ظهر العدالة سيكون اول القابعين في قفص العدالة واول المتهمين الذين سيلقون عقابا وخيما. وفي الختام، نقول لشهدائنا الاحياء والمغيبين: انه لم يمت ولن يموت حق وراءه مطالب. فالشعب اللبناني لن تغمض له عين طوال عدم كشف الحقيقة. ففي لاهاي تكمن الحقيقة، ومنها ستنطلق، وبعد لاهاي لن يكون هنالك ارهاب وجرائم وسفكة دماء. آملين كشف الجناة في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه. في لاهاي يكمن الخبر اليقين.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل