#adsense

الدولة المدنية .. والخطوط الخلفية لأهل الحوار

حجم الخط

الدولة المدنية .. والخطوط الخلفية لأهل الحوار

لا جديد في القول: ان لبنان الذي انطلق كيانه الحديث عام 1920، كان وما زال، رهن ما يحيط به، وما يؤثر فيه من معادلات وظروف عربية واقليمية ودولية. ولقد جعله هذا الرهن اشبه بساحة داخلية لتصفية الحسابات، بل أدى هذا الرهن الى خلق ثقافة الارتهان في الغالبية الساحقة من ميادين الحياة السياسية على مدى تسعين عاماً.. كانت القوى السياسية/الطائفية تتصارع على السلطة، وعلى السوق، وفي حساباتها ان هذه الدولة أو تلك، عربية كانت أو أجنبية، ستقدم لها الدعم والرعاية. واذا كنا نفهم أن التفاعل بأوسع معناه، يحكم العلاقات بين البشر والمؤسسات والدول، فبالمقابل علينا ان لا ننسى ضرورة التمييز الموضوعي الدقيق بين حالة التفاعل التي تكون لنا فيها ارادة وطنية مستقلة، وبين حالة الارتهان التي تفقد فيها هذه الارادة معناها، بل تفقد وجودها أحياناً كثيرة.

هذه الارادة الوطنية المستقلة هي ما يجب ان نسعى اليه، لكي نستطيع التفاعل من دون الوقوع في الارتهان، ولا شك في أن ارتجاج الارادة الوطنية المستقلة، هو الذي عطل قيام الدولة الجامعة القادرة في لبنان، وهذا التعطيل عطل بدوره بلورة فكرة الوطن الجامع الحاضن السيد المستقل، ولطالما أثبتت التجارب ان قيام الدولة على أساس تعاقدي مدني، يؤدي الى بلورة فكرة الوطن، ويخفف من وطأة الخلاف على الهوية والانتماء، لكن احدى مآسينا الكبرى هي اننا لا ندرس تجاربنا، ولذا فاننا نقع في التكرار، وعندما تفيض علينا دماؤنا، أو عندما تزداد ممارسة الوصاية علينا، قريبة "كانت أو بعيدة"، نعمل على استنتاج الحلول من المشكلة نفسها، وننسى حقيقة علمية ثابتة، وهي ان تكرار الشيء نفسه، والمعطيات نفسها، لا يقود الى نتائج مختلفة.

عام 1920، لم يكن قرار الانتداب الفرنسي اعلان دولة لبنان الكبير، (ضمن اعادة صوغ الشرق الأوسط بعد الحرب العالمية الأولى) استجابة لذاكرة مشتركة، ولتصور مستقبلي مشترك عند اولئك الذين اصبحوا في ما بعد ابناء هذا الكيان، فحملوا جنسية لبنانية صادرة عن سلطة واحدة، لكنها لا تعبر عن دولة واحدة، ولا عن هوية واحدة، بل كانت وما زالت تحمل في طياتها صراعاً قوياً بين الجنسية القانونية والهوية التاريخية. ولقد كان هذا التناقض المفتعل في الوعي بين الجنسية والهوية عملاً سياسياً متعمداً يصب في خدمة الانتداب الفرنسي، (التسمية الملطفة للاحتلال والاستعمار آنذاك) ولكن ماذا فعلنا نحن عندما وصلنا الى مرحلة الاستقلال (او الشروع في الاستقلال) عام 1943؟… لقد استمر في حياتنا هذا التناقض بين الجنسية القانونية، والهوية التاريخية، وكانت الحصيلة أننا لم نبلور هوية وطنية، ولم نبن مؤسسات مدنية، فضاعت فكرة الدولة، وهي ام المؤسسات المدنية، وحلت محلها فكرة الطائفة. وما قيل عنه انه دولة في لبنان، كان في الحقيقة قناعاً لتنظيم صراع الطوائف، وما زال على هذا النحو حتى هذه اللحظة، بكل ما يتسبب به من التباسات واشكالات من اصغر مسألة يومية حتى أكبر قضية مصيرية تتعلق بمستقبل لبنان وبموقعه وبدوره في المنطقة وفي العالم.

هذا التناقض بين الجنسية القانونية والهوية التاريخية، كان يمكن ان يجد حلاً في قيام الدولة المدنية التي تعبر عن مصالح وتطلعات الشرائح الاجتماعية، وليس عن اساطير التصورات الطائفية، لكن ما حصل كان… وما زال ـ عكس ذلك تمامًا، والبراهين كثيرة نقتطع منها ما يأتي:

1 ـ انتهى الانتداب الفرنسي كلياً عام 1945، لكن القوى السياسية/الطائفية، واصلت سلوكه هو نفسه، ولم تبادر ـ على الأقل ـ الى وضع خطة مرحلية لالغاء الممارسات الطائفية المنصوص عنها، خصوصاً في المادة 95 من الدستور. (تأخر اقرار هذه الخطة حتى اتفاق الطائف 1989 وما زالت من دون تنفيذ).

2 ـ انطلقت حكومات "الاستقلال" بعد عام 1943 من فكرة "الصيغة اللبنانية" (لبنان بجناحيه: المسيحي والمسلم) فأجهضت فكرة الدولة المدنية، وازداد تعميق التأسيس الطائفي، وازداد الارتهان للخارج على ايقاع صراعات الداخل.

3 ـ في عهد الرئيس الراحل كميل شمعون، ازداد الانحراف الطائفي، والارتهان الخارجي (خلف بغداد وغيره) وبالرغم من وجود قوى مدنية وطنية خارج السلطة آنذاك، الا ان الممارسات الصراعية على الأرض كانت تأخذ طابعاً طائفياً).

4 ـ في عهد الرئيس الراحل فؤاد شهاب، (الرئيس المتنور الذي أراد بناء المؤسسات) جرى اجهاض فكرة الدولة المدنية الحديثة على أيدي جميع القوى التقليدية، ففشلت التجربة الشهابية في بناء الدولة، ولا سيما عندما ارتفعت في آخر مراحلها مستويات تدخّل المخابرات في كل شيء. (المكتب الثاني آنذاك).
5 في عهد الرئيس الراحل شارل حلو، لم يتغير شيء مما ذكرناه أعلاه على مستوى بناء الدولة، ولكن كانت القوى اليسارية والديموقراطية المتحالفة مع الثورة الفلسطينية قد ازدادت حضوراً، فجرى التحضير لضربها بالسلاح الطائفي أيضاً، وهذا ما أدى في ما بعد الى تقاطع الظرف الداخلي مع الظروف الخارجية فانفجرت الحرب عام 1975 في نهايات عهد الرئيس الراحل سليمان فرنجية.

6 بين 1975 و1989 (أي بداية مرحلة اتفاق الطائف) مرّ لبنان بثلاثة عهود رئاسية، وبحروب عديدة، (عهود: الياس سركيس، بشير الجميل وأمين الجميل)، وطرحت خلالها مشاريع حلول كثيرة، لكن أياً منها لم يتبنّ فكرة قيام الدولة المدنية استناداً الى إلغاء الطائفية.

7 بعد اتفاق الطائف، مرّ لبنان بثلاثة عهود رئاسية أيضاً، هي عهود: رينيه معوض الذي اغتيل في 22/11/1989، والياس الهراوي الذي تجدّدت معه مشاريع التمديد للولاية الرئاسية، والتعديل الاستنسابي للدستور بدعم وبتشجيع من سوريا عام 1995. (كانت أول تجربة تمديد رئاسي في لبنان حصلت في عهد الرئيس بشارة الخوري، ثم محاولة تمديد قام بها الرئيس كميل شمعون، وانتهت الأولى بالثورة البيضاء عام 1952، والثانية بالانتفاضة الدامية عام 1958) ثم عهد الرئيس إميل لحود الذي شهد أزمات واضطرابات هائلة، وجرى إبّانه اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري. وفي كل هذه العهود، لم يتحوّل إلغاء الطائفية، وقيام الدولة المدنية (وفقاً لاتفاق الطائف) الى قرار سياسي وطني للتنفيذ، فازدادت الطائفية انتشاراً، واتسعت المذهبية، وشمل هذا الانتشار الخطير جميع مرافق المجتمع والدولة. (مثلاً: الوظائف ما دون الدرجة الأولى ظلّت ضحية الصراع الطائفي والمذهبي، على الرغم من أن اتفاق الطائف حرّر هذه الوظائف من القيود الطائفية).

8 خلال العهد الحالي، عهد الرئيس ميشال سليمان (ابتداء من 25/أيار/2008)، وبعد اتفاق الدوحة، جرى استئناف جلسات مؤتمر الحوار الوطني (طبعاً حصلت تطورات أخرى كثيرة، لكنها ليست في نطاق موضوعنا الآن)، وكان من الغريب حقاً، وبعد كل التجارب الدموية وغير الدموية التي مرّ بها لبنان ـ كان من الغريب ـ أن يجري إهمال البحث في تطبيق إلغاء الطائفية، وفقاً لما هو منصوص عنه في الطائف، وكان أشد غرابة أن جميع القوى تُثقل آذاننا بالحديث عن ضرورة تطبيق الاتفاق المذكور، لكنها على المستوى العملي لا تفعل شيئاً، وربما تفعل أشياء سلبية فتقوم بما يكرّس الطائفية، بأسلوب نخجل أن نصفه بما يستحق من أوصاف، ولكن أقل ما يقال فيه أنه يحاول أن يؤخّر التاريخ، ويحاول أيضاً أن يضع ما أمكنه من حواجز أمام إقامة الدولة المدنية المؤسسة على إلغاء الطائفية، فهل إن أهل الحوار في الجلسات المستأنفة قسراً بعد اتفاق الطائف ملتقون ومتقاطعون في الخطوط الخلفية لمواقفهم عند نقطة الاتفاق الحقيقي القوي على عدم إقامة الدولة المدنية في لبنان؟؟…

إنه سؤال. إنه ظن، وعلى الرغم من أن بعض الظن إثم، فإننا نرتكب هذا الإثم عمداً، وليبرهنوا عكس ما نقوله، وليعملوا فعلاً على قيام دولة في لبنان، ودولة مدنية بالتحديد.

إذا بقي الحوار المسمى وطنياً (لحجب المضمون الطائفي بهذا الإسم) على هذه الحال (يُرجّح أن يبقى كذلك) فلا معنى له سوى التهدئة الموقتة، أي إن الخطر يبقى نائماً كالثعبان تحت كومة القش بحيث يتحرك ويلدغ عندما تسنح له الفرصة، سواء لأسباب داخلية في كومة القش نفسها، أو لأسباب خارجية ترغب في إشعال النار بلبنان وفيه.

التهدئة الموقتة؟؟!!… يا لتلك الكارثة! لبنان يعيش منذ تسعة عقود على المهدئات الموقتة، وهذا ما أصابنا منه القنوط والقرف واليأس، وهذا أيضاً ما لا نريده أبداً لبلدنا ولأجيالنا الآتية… قد يقول قائل: هل إن إلغاء للطائفية، وإقامة الدولة المدنية سحر يتغير معه كل شيء؟… نعم، إنه سحر إنساني حقيقي، لأنه لا يكون كذلك إلا بناء على إرادة وطنية مستقلة، فهذه الإرادة ـ إذا توافرت ـ هي السحر الذي يتغيّر بعده كل شيء.
إذا لم يكن موضوع إلغاء الطائفية، بوصفه طريق الخلاص الذي يؤدي الى الدولة المدنية، هو الأساس في أي حوار، فعبثاً نحاور، وعلينا في هذه الحالة أن ننتظر تفجّرات عديدة في لبنان، دموية وغير دموية، وعلينا أن نتوقع حصول اهتزازات دائمة، وقد يكون بعضها من نوع الزلازل، (أليس اغتيال الرئيس الحريري 14/شباط/2005، واغتيال رينيه معوض 22/ت2/1989، واغتيال كمال جنبلاط 16/آذار/1977، واغتيال معروف سعد 26/شباط ـ 7/آذار/1975… وغيرهم، من نوع الزلازل السياسية؟…

لسنا ضد التهدئة، ولا يوجد عاقل في لبنان يسمع صوت ضميره ويريد نسف التهدئة، ولكن خوفنا هو أن تتحول هذه التهدئة الموقتة الى تهدئة دائمة، فتخسر عندئذ معناها، وتسقط، وإن كنا لا نعلم بالغيب الآن موعد سقوطها… ولهذا بالضبط نتوجه الى أهل الحوار من أجل أن يقفوا أمام أنفسهم، وأمام وطنهم لعلّهم ينطلقون نحو إلغاء الطائفية، وإقامة الدولة المدنية، ولعل بعضهم إذا تمسك بهذا الأمر ورفض الآخرون، يكون قادراً عندئذ على مكاشفة الرأي العام بحقيقة هؤلاء "الآخرين"، فلبنان الذي نريده وطناً حراً، وشعباً سعيداً، ومواطناً حراً، ودولة سيدة مستقلة، لا يمكن أن يكون كذلك إلا مع قيام الدولة المدنية. ولهذا كله علينا أن نقفل النوافذ الطائفية التي تتسلّل منها الوصايات القريبة والبعيدة، فهل يقوم أهل الحوار بإقفال هذه النوافذ؟

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل