شرعة العمل السياسي: انجاز على مستوى التحدي
المحامي جورج ابو صعب
خطوة مباركة وجريئة وجبارة قامت بها الكنيسة من خلال المركز الماروني للتوثيق والابحاث واللجنة المشتركة لكنائس لبنان بالامس على الرغم من يقيننا المسبق بان من يجب ان يقرأها ويتمعن بها علها تنير عقولهم وتعيد البصيرة الى بصائرهم لن يقرأوها وهم في احسن الاحوال سوف يكلفون الغير بقراءتها لتفسيرها لهم وفق ساعة الضبط الانتخابية والمصلحية.
مبادرة لا نستطيع الا الوقوف عندها والتوقف مطولا عند التعاليم السامية التي تضمنتها للتأمل والتفكير في كيفية تصحيح واصلاح مسار الحياة السياسية واخلاقيات بعض السياسيين الوطنية والشخصية. لذلك سوف نتناول في مقالتنا هذه تحليلا لابرز ما استوقفنا من مبادئ يجب على اللبنانيين كل اللبنانيين وليس فقط المسيحين ان يتعظوا منها ويغرفوا من صميمها لتقويم الاعوجاج المستشري في ادائهم ومواقفهم والانحراف الواضح في قواعد سلوكهم العام وضمائرهم المكلسة.
اولا: في تناول الشرعة وضع معايير العمل في الشأن العام:
1- السياسة فن: وهو فن الممكن ولكن ايضا فن شريف لا يضحي بالشرف والاخلاق في سبيل الممكن، بل يترجم نفسه بالممكن المفيد لا الممكن الرخيص اي الممكن باي ثمن. وقد جاء في القسم الاول منها: … تجد السلطة اساسها في صميم الطبيعة البشرية وتخضع في الممارسة لنظام اخلاقي طبعه الله الخالق في قلب الانسان اذ كونه على صورته ومثاله.
فالسياسة اذا فن مطبوع بالاستقامة والضمير الحي للانسان وليست وسيلة تصرف بما يخالف الضمير ووصايا الله وقد اوصى عباده بفعل الخير لا بفعل الشر. وهذا التعليم يذكرنا بالنظرية السوسيو- فلسفية التي كان (كانط ) KANT EMMANUEL من ابرز المنادين بها: نظرية اخلاق الواجب، والتي مفادها ان النية الحسنة التي تدفع بالانسان الى العمل بمقتضى الواجب كمعيارية اخلاقية. فوحدها الارادة الخيرة تعمل بمقتضى الواجب: افعل كما لو ان حكمة فعلك ينبغي بارادتك ان تصبح قانونا شاملا، فغاية الفعل الاخلاقي يجب ان تكون الانسان من دون سواه: افعل دائما بحيث تعتبر الانسانية فيك وفي الاخرين غاية وليس ابدا وسيلة.
فالقانون الاخلاقي الصادر من العقل لا من الغريزة هو الذي يجب ان ينبثق من داخل الانسان، فاستقلالية الارادة كما يقول (هنري برغسون) هي التي تسمح للانسان بان يتعامل مع الاخرين بصفتهم غايات لا وسائل وتسمح له في الوقت عينه بان يبقى هو نفسه.
2- ان اصحاب السلطة خدام الله للشعب وللخير، ومن اهم عناصرها كما جاء في الشرعة: احترام الشخص البشري، في دعوته وحقوقه الاساسية وحرياته الطبيعية وحمايتها والدفاع عنها. فالعمل السياسي خدمة الانسان – بموجب تصميم الله – فهذا الاحترام للشخص البشري يقل نظيره لدى بعض السياسيين في ايامنا خاصة عندما تجنح مواقفهم وتصاريحهم تجاه الانفعالية الغريزية التي تحولهم الى طغاة فكر قبل ان يتحولوا الى طغاة قمع. فاحترام الشخص البشري بحرياته وحقوقه الاساسية ناموس الوحدة والانصهار بين فئات المجتمع السياسي الواحد. فالزعيم خادم وليس مخدوما، والزعيم قدوة الاحترام والاخلاقية القيمية التي تنبثق منها النفس وتعاليم الايمان.
2- في دور الكنيسة في الحياة العامة: فالكنيسة ليست سلطة سياسية بل هي سلطة روحية سامية توجه اخلاقيات السياسة ومن حقها لا بل من واجبها قول كلمة الفصل في الشؤون العامة من خلال ما تسميه الشرعة عن حق بالحكم الادبي… عندما تقتضي ذلك حقوق الشخص البشري الاساسية وخلاص النفوس…
فالكنيسة كما يقول القديس (ايريناوس) في رده على المهرطقين في كل مكان من العالم، تقوم رسالة الكنيسة بان تعرف بالمسيح ابن الله وان تعلن الخلاص الممنوح لجميع الناس. ولقد ادركت ايضا على الدوام وهي تتأمل سيدها – الانسان الكامل – ان لها مكانا مميزا في المجتمع – في سبيل تحرير الناس من كل ما يعوق نموهم البشري والروحي لان مجد الله هو الانسان الحي … وقد اكد المجمع الفاتيكاني الثاني (دستور رعوي – فرح ورجاء – الفقرة 76) ان الكنيسة… علامة سمو الشخص البشري وحصانته…
وبالتالي على الكنيسة واجب مستمد من دورها المقدس في قول كلمة الحق (حكم ادبي) في قضايا وشؤون الناس وصلاح الافعال البشرية وشرها وتقييمها في ضوء الشرع الالهي والادبي، ومن ضمنها السياسة في ما هي وجه اساسي من اوجه الاهتمام بشؤون الناس ومصالحهم ووجه اساسي من اوجه ممارسة السلطة سواء الشرعية او المشروعة.
ثانيا: في وضع الشرعة لضوابط ممارسة المسيحيين للسلطة:
ابرز شق تضمنته الشرعة للقيادات المسيحية الزمنيين كان في الفصل الثالث من القسم الاول وقد رسمت خط السير الاخلاقي والقيمي لممارسة السلطة – اي سلطة – سواء شرعية او مشروعة او حزبية او شعبية، بحيث اوصت بوجوب اتصاف الممارسة السياسية بروح الخدمة ( نقيض روح التشفي وتسخير كل الوسائل واستباحة كل المقدرات في سبيل النيل من الاخر ولو على حساب الاخلاقية المسيحية). والشهادة للقيم الانسانية والانجيلية المرتبطة بالنشاط السياسي (كالحرية والعدالة والتفاني الصادق… في سبيل الخير العام…) والمصالحة والغفران لتنتهي كما تقول الشرعة حرب المصالح الشخصية. فالسياسة هي الطريق الصعب لعيش الالتزام المسيحي في خدمة الاخرين…
يقول جون ستيوارت ميل JOHN STUART MILL "… اذا اردنا ان نعرف الحد المشروع لسلطة الفرد على نفسه واين تبدأ سلطة المجتمع… فلنعلم ان كليهما يستوفي حقه المقرر اذا اقتصر على ما يعنيه بوجه خاص. فكل ما يهم الفرد بنوع خاص هو من حقوق المجتمع… فالفرد مطالب بان يتحاشى الاضرار بمصالح الغير… وبان يتحمل نصيبه من التضحيات التي تقتضيها حماية المجتمع واعفائه من الاذى والاعتداء – فيجب على الفرد ان يكون حرا في عقيدته …"(من كتابه – الحرية).
ثالثا: في توصيات اعادة احياء لبنان والدولة المدنية الديمقراطية:
1- اوصت الشرعة باعتماد اليات للحؤول دون تعطيل عمل المؤسسات الدستورية: وقد اثبتت التجربة ان النظام السياسي اللبناني وتركيبته الدستورية لم تمنع شلل المؤسسات الدستورية والرقابية ومنها مجلس النواب والمجلس الدستوري. وبالتالي فان هذه التوصية اساسية وتقع في موقعها الصحيح، وقد ان الاوان لنا ان نجد اليات جديدة تقي البلاد مستقبلا اي سوء استغلال او استعمال للسلطة بما ينعكس اضرارا بالبلاد بدل تأمين صالحها. وفي هذا السياق نرى وجوب ادخال تعديلات على كيفية عمل المؤسسات، كمثلا نزع الشرعية تلقائيا عن اي مسؤول على رأس مؤسسة دستورية يتخلف او يتأخر عن القيام بممارسة صلاحياته وفق مهل محددة او ايجاد الية تستبدله باخر او بمن ينوب عنه، او مثلا ايلاء الرقابة المزيد من الصلاحيات المستقلة عن اي قرار سياسي، وايجاد اليات تداول سلطة حكمية دون امكانية تجديد او تمديد واطلاق الاستشارات الشعبية واليات الاستفتاء على القوانين واصدار قانون احزاب عصري على اساس البرامج السياسية والوطنية لا على اساس طائفي، واصدار قانون انتخاب مبني على الاحزاب وتصنيفاتها اليمينية والوسطية واليسارية… وسواها من خطوات اصلاحية تحصن الحياة السياسية والدستورية والوطنية.
2- كذلك اوصت الشرعة بالابتعاد عن سياسة المحاور الاقليمية والدولية: فالحياد الايجابي للبنان صيغة حل ناجعة تجعل من هذا البلد محصنا عند اختلاف الغير وانقسامهم مع لعب دور الوساطة والتقريب والتوحيد بين المتنازعين. وعند اتحاد الجميع يكون هو في الطليعة (خاصة على صعيد المحاور العربية والعربية الاقليمية، والاقليمية الدولية).
3- واوصت ايضا باللامركزية الادارية الموسعة: وهي فعلا من الاولويات الوطنية الاساسية والجوهرية، بالاضافة الى محاربة الفساد التي تبدأ بقانون يلزم كل من يتعاطى الشأن العام ابراز ثروته قبل وبعد اعتزاله او وفاته، بالاضافة الى الفصل بين الملك الخاص والملك العام للسياسي او الزعيم، وضبط الهدر والانفاق المالي غير المدروس وترشيد الانفاق، والغاء ضرائب غير مجدية ومثقلة لكاهل المواطن واقامة النظام الضريبي التصاعدي العادل، ومعاقبة الرشوة، واخضاع الصناديق المالية للرقابة المباشرة المسبقة واللاحقة… الى ما هنالك من اجراءات أخرى اساسية.
4- واوصت ايضا بالمواطنة والتوفيق بينها وبين التعددية: فلا تكون الاولى ضحية الثانية، لان تحت شعار التعددية يصبح الشذوذ عن الولاء للوطن مباحا ولان التعددية هي فعل مساواة وعدالة اجتماعية لا فعل انفصال وتفاوت بين مواطن واخر امام القانون.
5- والتوصية الاساسية ايضا التي تضمنتها: حصر السلاح اللبناني بالقوى الشرعية المسلحة واخضاع المهام الدفاعية والامنية لقرار السلطة السياسية الشرعية دون سواها: فبنظرنا ان هذه التوصية هي افضل استراتيجية دفاع وتصلح صيغة للبحث والاخذ بها اذا اردنا فعلا استراتيجية تبني الدولة وتعززها بقواها الشرعية وتضع كل القوى الاخرى بتصرفها وتحت امرتها عند الخطر او التهديد بالخطر.
باختصار، ان "شرعة العمل السياسي في ضوء تعليم الكنيسة وخصوصية لبنان"، ارشاد كنسي ثان تكميلي للارشاد الرسولي الاساسي وورقة عمل تصلح برنامجا حقيقيا لحوار وطني هادف. نرى ضرورة تحويلها من مجرد شرعة ادبية الى مادة دراسة ومناقشة مفصلة من قبل كافة القوى السياسية والوطنية ليبنى عليها عقد اجتماعي جديد بين اللبنانيين يخرجنا من المأزق الحالي.