الضجة حول مذكرة التفاهم القضائية ضجة سياسية لا علاقة لها بالقانون
المحامي جورج ابو صعب
من مواكبتنا للضجة المفتعلة حول موضوع اقرار مذكرة التفاهم بين وزارة العدل اللبنانية ومكتب المدعي العام لدى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، وانطلاقا من ثقافتنا القانونية يمكننا الجزم بان الضجة المثارة من طرف قوى 8 اذار تجاه هذه المذكرة لا اهداف قانونية لها وبالتالي اهدافها سياسية بامتياز.
والسبب ان ما تحتج به قوى المعارضة حول المذكرة قطعه لبنان دولة وشعبا في توقيعه على النظام الاساسي للمحكمة الخاصة بلبنان باشواط، لا بل رسم النظام مسبقا اطاره القانوني الالزامي وبالتالي لم يعد بالامكان تعديل النظام الاساسي ولا بالتالي تعديل مذكرة تفاهم تطبيقية وتنفيذية لتفاصيل اقرت خطوطها القانونية العامة الالزامية للبنان.
1- فاذا عدنا الى نص النظام الاساسي للمحكمة الخاصة بلبنان المنشأة بموجب اتفاق الامم المتحدة والجمهورية اللبنانية عملا باحكام قرار مجلس الامن الدولي رقم (1664) تاريخ 29/3/2006، نجد في هذا النظام كل الركائز القانونية لتنازل القضاء اللبناني عن اختصاصاته في الفصل في المسائل المعروضة عليه وبالتالي أسس النظام الاساسي قانونا لصلاحيات المدعي العام الدولي المكانية وولايته القضائية على كافة الملفات القضائية الخاضعة لاختصاصه.
2- فالمادة الاولى من النظام أعطت المحكمة الخاصة الولاية الكاملة وغير المشروطة على كافة الاشخاص المسؤولين عن هجوم 14 شباط 2005، واية هجمات لاحقة متلازمة. فالمحكمة يكون لها اختصاص على الاشخاص المسؤولين عن تلك الهجمات: فالنص لم يميز بين مسؤول رسمي او زعيم او رئيس حزب او رئيس دولة او ضابط او عسكري او اي موظف. فالمهم ان الولاية تطال الاشخاص المسؤولون جنائيا وقانونيا، وبالتالي ليس هناك سقف قانوني للمحكمة وبامكانها بالتالي ملاحقة ومحاكمة من تراه اينما كان ومهما كان.
3- ان المادة (2) من النظام الاساسي للمحكمة كانت واضحة في اعمال احكام قانون العقوبات اللبناني المتعلقة بالملاحقات والمعاقبة… وبالتالي فان المرجع القانوني التشريعي المطبق هو القانون اللبناني وما تضمنه القانون اللبناني من قواعد ومبادئ عمل النيابة العامة في تحريك الدعوى العامة وجمع الادلة والتحقيق الاولي او الابتدائي، فلا يعود من فرق بين محقق لبناني او أجنبي طالما انهما يمارسان الصلاحيات المحددة في القانون اللبناني.
4- بالعودة الى القانون اللبناني ذات الاختصاص الذي هو مرجع اعمال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان نجد ان القانون يقر للنيابة العامة بالاتي:
أ- لا تحرك الدعوى العامة ولا تباشر الا من خلال النيابة العامة
ب- يجوز ان يقوم المدعي العام بنفسه او بواسطة احد اعضاء النيابة العامة بتحريك الدعوى ومباشرتها ومتابعتها.
ج- توجه المدعي العام الى اماكن تحقيقه بحرية وتحرير المحاضر وبالتالي حرية حركته اينما يرى داع للتحقيق.
د- له اذا دعت الحاجة للتحقيق ان يقرر اي اجراء في مكان يقع خارج دائرة اختصاصه وصلاحيته، مع الحق بالانتقال اينما يشاء في سبيل التحقيق.
ه- القيام بالمعاينة الميدانية في اي مكان للتثبت من عناصر الجريمة.
و- يمكنه تفتيش المنازل لضبط الاشياء وتجميع المعلومات، مع حقه بتفتيش المتهمين وغير المتهمين حتى اذا اقتضت مصلحة التحقيق ذلك.
ز- ضبط المراسلات والمكاتبات والبريد والمطبوعات والطرود ومراقبة المحادثات السلكية واللاسلكية اذا دعت الحاجة.
ح- سماع الشهود على اختلاف مستوياتهم ودرجاتهم وصفاتهم ومهنهم.
وبالتالي فان هذا التعداد على سبيل المثال لصلاحيات المدعي العام لا يمكن لاي نص ان ينقص منها طالما انها ثابتة في القانون اللبناني الذي له السيادة في اجراءات المحكمة الدولية، من دون ان ننسى المبدأ القانوني الشهير للمدعي العام بانه اذا كان القلم مقيدا فان الكلام حر.
5- وبالعودة الى نص المادة (4) من النظام الاساسي للمحكمة، فان للمحكمة الخاصة اسبقية على المحاكم الوطنية، كما ان المادة نفسها حددت مهلة اقصاها شهرين من تاريخ تسلم المدعي العام مهامه، لنقل الملفات الى المحكمة الدولية بالاضافة الى نتائج التحقيق ونسخة من سجلات المحكمة والاشخاص المحتجزين رهن التحقيق الى عهدة المحكمة الخاصة. ما يعني قانونا انتقال كامل الصلاحية والاختصاصات القضائية الى المحكمة الخاصة بلبنان وبالتالي رفع يد القضاء اللبناني عن ممارسة اي دور سوى مؤازرة المدعي العام. ما يؤكد الولاية الشاملة والكاملة للمحكمة الدولية ويعطي المدعي العام بالتالي المزيد من السلطة في تولي المحاكمات والتحقيقات والاستقصاءات كما لو كنا امام القضاء اللبناني وبموجب القانون اللبناني.
6- ونأتي الى المادة (11) من النظام الاساسي للمحكمة حيث يتبين لمن يقرأ بوضوح ان المدعي العام يتولى مسؤولية التحقيق مع الاشخاص المسؤولين داخل اختصاص المحكمة الخاصة وملاحقتهم، وبالتالي لا يمكن لمدع عام ان يلاحق مطلوبا ما لم يكن محررا في تنقلاته من اي قيد او شرط.
كما ان الفقرة (2) تفيد بان المدعي العام يعمل باستقلال ولا يجوز له ان يطلب او ان يتلقى تعليمات من اي حكومة او اي مصدر اخر: ما يعني عدم خضوعه لاي تأثر سياسي او مصلحي او ضغط من اي كان، وبالتالي تحرره وموضوعيته القضائية والعلمية.
ومنحت الفقرة (5) مكتب المدعي العام سلطة استجواب المشتبه بهم والمجنى عليهم والشهود وجمع الادلة واجراء التحقيقات الميدانية بمساعدة الدولة اللبنانية حسب الاقتضاء، ما يعني ان اي مدعي عام لا يستطيع ممارسة تلك الاختصاصات اعلاه ما لم يكن متمتعا بتعاون السلطات اللبنانية اولا، ومتمتعا بحرية تحرك واسعة في لبنان، ومتمتعا بصلاحية جمع المعلومات والادلة. وبالتالي عدم تقييد حركته بما ينافي الصلاحيات المقررة له في النظام الاساسي، وعدم منعه من الاستماع الى اي كان والاجتماع باي كان لاستجوابهم كما يراه.
7- وزيادة في التأكيد على شمول النظام الاساسي لصلاحيات المدعي العام تنص المادة (18) منه على انه يجوز لقاضي الاجراءات التمهيدية بناء لطلب المدعي العام اصدار الاوامر والمذكرات لاعتقال الاشخاص او نقلهم او اي اوامر اخرى حسبما… يقتضيه سير التحقيق ومن اجل التحضير لمحاكمة عادلة وسريعة… فوضوح هذا الكلام لا يترك مجالا للشك بقدرة وصلاحية ومدى نطاق هذه الصلاحية وبالتالي اذا كان لقاضي الاجراءات التمهيدية القيام بكل هذا فكيف يتصور ان يكون وضع المدعي العام – وهو صاحب الطلب هنا؟
لهذه الاسباب كافة، نرى ان المعارضين والمنتقدين لمذكرة التفاهم بين لبنان ومكتب المدعي العام لا يقومون بهذه المعارضة من منطلقات الحرص على العدالة او السيادة كما يدعون بل من منطلقات مشبوهة اخرى ليس اقلها منطلق المماطلة والتأخير في انطلاق اعمال المدعي العام لمحاولة تأخير التحقيقات وبالتالي عرقلة العدالة. فالاعتراض على مذكرة التفاهم يتناول الشق القانوني الذي يدخل ضمن اختصاص وصلاحية اي مدعي عام بحسب القانون اللبناني طالما هو المرجع القانوني للمحكمة الدولية للبنان. وبالتالي فان لبنان بات مرتبطا بنظام المحكمة الدولية وهو الاهم، وما المذكرة الا تفصيلا قانونيا قد نصل الى حد اننا لا نرى فيه ما يدعو الى التمسك به طالما ان المدعي العام سيقوم بخطواته بدل المدعي العام اللبناني. وبحسب القانون اللبناني فان نطاق الصلاحيات لاي مدعي عام واسعة وكافية وهي تشمل بطبيعة الحال النقاط المذكورة في المذكرة.
وتبقى الاشارة الى ان لبنان بات قانونيا موافقا ومرتبطا وخاضعا للقرارات المحكمة الدولية ولنظام المحكمة وبالتالي لا يمكنه التخلف عن الالتزام شاء من شاء وابى من أبى.