خطير ويعكسُ ارتباكاً ومحاولة استدراج تفاوض على دور له في لبنان ورغبة في "طمأنة" إيران
كلام الأسد يعزّز قناعة 14 آذار بـ"مصيرية" الانتخابات
في حديثه إلى صحيفة "الخليج" الإماراتية قبل يومين، بقّ رئيس النظام السوري بشار الأسد بدلاً من البحصة بحصتين، في ما يتعلق بلبنان. "بحصة المحكمة" و"بحصة الإنتخابات".
بالنسبة إلى المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتي بدأت أعمالها مطلع آذار الجاري، قال الأسد إنه "لا توجد ضمانات بعدم تسييس المحكمة"، ليضيف بعد ذلك أن "لبنان أول من سيدفع الثمن إذا كان هناك تسييس".
لم يعطِه أحد ضمانات حول المحكمة
الكلام عن "تسييس المحكمة" صار ممجوجاً. غير أن ما يقوله بشار الأسد في مقابلته هو أنه لم يتلقّ هو شخصياً ضمانات بشأن المحكمة ولا تطمينات، أي أنه لم يتلقّ تعهدات بتدخل دولي معيّن يحرف المحكمة عن أدلتها إذا ذهبت الأدلة باتجاه مسؤولين في النظام السوري، في جريمة إغتيال الرئيس رفيق الحريري وسائر جرائم الإغتيال الأخرى.
وما يقوله الأسد في هذا المجال صحيح تماماً. ففضلاً عما تعنيه أقواله لجهة أن النظام السوري يرى نفسه معنياً بالمحكمة بخلاف كل ادعاءاته السابقة، فهي ـ أي أقوال الأسد ـ تأتي لتؤكد حقيقة أن المحكمة الدولية الخاصة بلبنان كانت بالفعل خارج أي بحث عربي أو دولي جرى معه في الفترة السابقة. لكن الأقوال نفسها تؤكد أيضاً ما كان تجمّع من معلومات مفادها أن النظام السوري الذي تؤرقه إنطلاقة المحكمة، ويسعى إلى إستدراج تفاوض حولها، إنما يمارس أسلوبه المعتاد لإستدراج هذا التفاوض، ألا وهو التهديد بتفجير لبنان إن لم يُستجب له.
التعريف السوري للإنتخابات.. تهديدي وتفجيري
في كلامه عن الإنتخابات النيابية اللبنانية المقبلة، "سارع" الأسد إلى إعطاء "تعريفه" لمصيرية تلك الإنتخابات. وفي هذا "التعريف" أن الإنتخابات كعملية ديموقراطية شعبية ليست مهمة وأن نتائجها غير مهمة أيضاً. وفي "التعريف" أن التوافق "على كل شيء" يجب أن يسبق الإنتخابات ويليها. وفيه أن الأكثرية التي تفرزها الإنتخابات، خاصة إذا كانت أكثرية 14 آذارية وهي المقصودة بكلامه عن "قوى تريد أن تسحب التوافق إذا ربحت الإنتخابات"، لن تحكم. وتحت "مظلة" أن لبنان يعيش على التوافق و"ينفجر" بغياب التوافق، لا يكتفي الأسد بـ"تبني" ما حصل في 7 أيار الماضي على إعتبار أنه "كان مفصلياً"، بل يكشف أنه هو من أمر بـ7 أيار وقاده.
"الإنفتاح" السعودي .. وأسسه
من نافل القول إن كلام بشار الأسد يستدعي التوقف ملياً عند دلالاته.
لا شك أن ما يكشفه رئيس النظام السوري، هو أن "الإنفتاح" السعودي على سوريا منذ القمة العربية الاقتصادية في الكويت قبل أقل من شهرين، تمّ من جانب المملكة في إطار التمهيد للقمة العربية "العادية" في الدوحة في 30 آذار الجاري أولاً، ومحاولة إستعادة سوريا إلى النظام العربي ثانياً على أساس رؤية محددة إلى "الأمن القومي العربي" في مواجهة العدوانية الإسرائيلية و"التحدي" الإيراني أي الخروق الإيرانية ثالثاً. أي ليس في "الإنفتاح" السعودي على سوريا "جائزة ترضية" إسمها لبنان. ولكم كان لافتاً للبنانيين على أي حال، تأكيد مجلس الوزراء السعودي تزامناً مع صدور كلام الأسد أول من أمس على "وقوف المملكة إلى جانب الأشقاء في لبنان لتحقيق المزيد من تعزيز الإستقرار والسلام والوحدة الوطنية فيه، ودعمها كل جهد من أجل وحدته وإرساء بنائه وصون سيادته وإستقلاله".
"الإتصال" الأميركي.. وشروطه
كما لا شك أن ما يكشفه رئيس النظام السوري، هو أن "الإتصال" الأميركي المُستأنف بسوريا، وقد جسدته زيارة المسؤولَين الأميركيين جيفري فيلتمان ودانيال شابيرو إلى دمشق، حمل دفتر الشروط الأميركية ـ الدولية، ولم يطلق تفاوضاً أميركياً ـ سورياً "على" لبنان أو حول أي من أوجه الدعم الدولي للبنان، ولا أي من شؤونه السيادية.
من هنا، فأن يقول الأسد ما قاله بعد نحو أربع وعشرين ساعة فقط من زيارة الوفد الأميركي إلى سوريا وقبل نحو ثمان وأربعين ساعة من زيارته المتوقعة اليوم إلى المملكة العربية السعودية، لأمر "معبّر" تماماً.
هو "معبّر" لأن المحكمة لن تصدر أحكاماً في غضون أيام ولأن ثلاثة أشهر لا تزال تفصل عن الإنتخابات اللبنانية، وما قاله الأسد قبل يومَين يمكنه أن يقوله نفسه بعدَ يومَين أو أسبوعين مثلاً.
عدم إغضاب إيران
وهو "معبّر" من زاوية أنه قد يكون "إضطرارياً". بمعنى أن النظام السوري الذي عبّرت له إيران بأشكال مختلفة عن خشيتها من كلا "الانفتاح" السعودي و"الاتصال" الأميركي وقد رأت فيهما "إسفيناً" يدقّ بينها وبين سوريا، يرغب في "طمأنة" طهران وفي "عدم استعجال" مواقف منها إلى أن "يستقرّ" هو نفسه على خيارات محددة.. لن يكون أمامه وقت مفتوح لبلورتها على أي حال.
وهو "معبّر" من زاوية أن النظام السوري قد يكون لا يزال مقتنعاً بأن في وسعه مقايضة "المصالحة" مع "النظام العربي" الرسمي وقيادته باستعادة دور معيّن في لبنان بـ"تأييد" عربي.. الأمر الذي إذا حصل يؤدي في رأيه إلى وقف مسار المحكمة حتى بعد انطلاق أعمالها.
إرتباك
وهو "معبّر" في جميع الأحوال من زاوية أنه يعكس ارتباكاً سورياً على أبواب محطات مفصلية. إرتباكٌ بين عدم إغضاب إيران وبين السير في خارطة الطريق العربية ـ الدولية وبين محاولة استدراج تفاوض عربي حول دوره في لبنان يؤدي لو حصل إلى إلغاء المحكمة عملياً كما يعتقد.. وبين المناورة المفتوحة على كل الاحتمالات.
14 آذار والانتخابات "المصيرية"
على أن "الأهم" في ما قاله الأسد هو أنه يؤكد صحة موقف 14 آذار. موقف 14 آذار القائل إن لبنان في دائرة تدخّل سوري قائم وفي دائرة إعلان نوايا بمواصلة هذا التدخل. وإن لبنان في دائرة خطر تفجير سوري لمساره السياسي. وموقف 14 آذار القائل إن الانتخابات النيابية في 7 حزيران مصيرية. فهي مصيرية بالفعل لأنها يجب أن تفرز أكثرية سيادية واستقلالية وميثاقية ودستورية. ولأنها يجب أن تشكل محطة حاسمة لوجود قرار لبنان في لبنان ولإخراج التدخّل السوري من النافذة بعد أن أخرجت الوصاية المباشرة من الباب. ولأنها يجب أن تشكل نهاية لـ"التعطيل" و"الشلل" تحت مسمى "التوافق". ولأن النظام السوري وحلفاءه يريدون "السلبطة" على لبنان.
قبل الحديث الصحافي لبشار الأسد، كان قادة 14 آذار سبّاقين إلى الترحيب بـ"المصالحة" العربية وبـ"التقارب" العربي ـ السوري. وذلك بالضبط على الأسس التي "تزرك" الأسد وفي مقدّمها وقف التعطيل في لبنان. أما وقد قال ما قال مما يثبّت للمرة المليون أنه لا يؤمَن له، فالأمر في اليد العربية مجدداً.