التوافق والمحكمة… والتسييس !
لا يضيف الرئيس بشار الاسد اي جديد الى الواقع الذي يقتنع به كل اللبنانيين عندما يقول: "ان لبنان يعيش على التوافق وينفجر في غياب التوافق".
والتوافق هو صيغة للاستقرار وقاعدة ضرورية لمسيرة النظام والسلطة ليس في لبنان وحده، بل في اي دولة اخرى من دول العالم. في سوريا، في مصر، في الصين، في الولايات المتحدة وحتى في حكم القبائل وادارة البيوت والعائلات.
ربما يكون التوافق في بلد تعددي مثل لبنان، فيه 17 طائفة ومذهباً ويشكل نقطة مفصلية للتدخلات الخارجية وتقاطع المصالح، ضرورياً ومُلحاً. ولكن هذا لا يعني ولا يجوز ان يعني، ان التوافق هو بالضرورة رديف دائم للاجماع. لان اشتراط الاجماع يعطّل آليات القرار ويعرقل مسيرة السلطة ويوقع الدولة في العجز والتعطيل.
ويكفي في هذا السياق ان نتذكر ما يعرفه الرئيس السوري جيداً، الا وهو ان اشتراط توافر الاجماع في اتخاذ القرارات في الجامعة العربية على سبيل المثال، قد عطّل هذه الجامعة وافشلها فشلاً ذريعاً، رغم انها تنظر عادة في المسائل من زوايا قومية، لا من مداخل وحسابات وطنية وداخلية.
❑ ❑ ❑
على خلفية هذا الواقع الواضح والمسلّم به لا يجوز بأي حال من الاحوال ترسيخ الحال الاستثنائية الناشئة من فكرة "الثلث المعطّل" او الضامن التي أُقرّت في اتفاق الدوحة واعطائها مسوغاً دستورياً، لان هذا يعني وقوع لبنان في الشلل والعجز الدائمين، باعتبار ان الخلاف، ويا لمرارة السخرية، بلغ بين الافرقاء اللبنانيين حد الانقسام على الاسود والابيض. وهذا يعني ان التوافق يمكن ان يصير بمثابة الشلل الكامل. ولقد شاهدنا نماذج عملية عنه وليس كثيراً اذا قلنا ان لبنان يسير منذ فترة على عكازين.
ان "الثلث المعطّل" على قاعدة الاستنسابية المفتوحة على مداها يعني تعطيل البلاد. وهنا ربما تظهر فداحة "الديموقراطية التوافقية" وهي نظرية غريبة عجيبة تقتل روح المفهوم الديموقراطي، والامر الذي كان قد تنبّه اليه جيداً اتفاق الطائف ودستوره عندما حددا 16 موضوعاً ذات ابعاد وطنية يجب ان تحظى بأكثرية الثلثين. اما المواضيع الاخرى فإنها تخضع للمعيار الديموقراطي القائم على الاكثرية والاقلية.
التوافق اساسي وضروري على هذه المواضيع، ولكن اذا صار التوافق على قاعدة "الثلث المعطّل" فإنه يصل حتى الى حد تعطيل تعيين حاجب في هذه الادارة او تلك كما يحصل الآن، والى استقواء فكرة المحاصصة واقصاء فكرة المحاسبة.
لذلك فإن مبدأ الاكثرية والاقلية بعد الانتخابات يجب ان يستعيد آليات عمله في القرار والسلطة مع احترام حازم للمواضيع الـ 16 التي تفرض توافر اكثرية الثلثين.
❑ ❑ ❑
هذه واحدة. اما الثانية فإنها تتصل بحديث الرئيس الاسد عن المحكمة الدولية وقوله ان لبنان سيدفع ثمن تسييسها، وان ليس هناك من يضمن عدم التسييس لان كل شيء في العالم بعيد عن الموضوعية.
يأتي هذا الحديث تكراراً عن الخوف من التسييس في وقت تزداد المخاوف وتتسع عند اللبنانيين الذين دأبوا على توجيه الاتهامات الى سوريا، من منطلق ان لديهم هواجس من ان تعصف رياح الانفتاح الغربي والاميركي وحتى العربي المتسارعة الآن على دمشق، بالمحكمة تسييساً وابتعاداً عن الموضوعية، الامر الذي يتخوّف منه الرئيس السوري. لكن هؤلاء اللبنانيين يكررون قبولهم بقرار المحكمة اياً يكن.
واذا كان "كل شيء في العالم بعيداً عن الموضوعية" وهو ما دفع الاسد الى القول ان لا احد يضمن عدم التسييس، فمن الواضح والمفهوم انه يريد ان يقول صراحة ان اي اشارة الى سوريا في المحكمة انما يمثل تسييساً… وان لبنان سيدفع الثمن.
ولماذا يمكن ان يدفع لبنان الثمن؟
لسبب واضح ومؤلم طبعاً، الا وهو غياب التوافق بين اللبنانيين الممزقين على امتداد خطوط الطول والعرض.