#adsense

غالب غانم: التشكيلات بالإجماع والمسار الذي سلكته ممارسة سويّة

حجم الخط

في حفل توقيع كتابه "حكم القانون"
غالب غانم: التشكيلات بالإجماع والمسار الذي سلكته ممارسة سويّة

قال رئيس مجلس القضاء الاعلى القاضي غالب غانم ان اصدار التشكيلات القضائية باجماع مجلس القضاء الاعلى وبالمسار الذي سلكته لدى السلطات الدستورية هو "من أوجه الممارسات السوية". جاء موقفه خلال كلمة القاها مساء امس لمناسبة توقيع كتابه "حكم القانون" في فندق "جيفينور روتانا" في الحمرا بدعوة من "المركز العربي لتطوير حكم القانون والنزاهة"، في حضور شخصيات سياسية وقضائية وحقوقية واجتماعية ومؤسس المركز وسيم حرب. وقال "كل قاض مدعو الى ان يعطل بنفسه كل ضغط يمارس عليه ويحجب كل هوى وكل هواء هاب من الخارج، وان يقيم بينه وبين هواة التأثير ومحترفيه جداراً من الاسمنت المسلح".

وللمرة الاولى بعد تعيينه في منصبه، تحدث القاضي غانم عن نظرته الى القضاء والقضاة وتطبيق حكم القانون ومفهومه لاستقلال القضاء والتدخل السياسي. وقال: "امام اختلاط اللغات واشتعال الازمات، وفي ازدحام المصطلحات يطل مصطلح "حكم القانون" حاملاً معه تجارب الامس وصور اليوم واحلام الغد ليقول انا الفيصل والحكم شيخ الصلح التاريخي ومنتهى ما انتجته الحضارات في دوامة السياسة وفي مفهوم الادارة الصالحة وانتظارات الديموقراطية". واضاف: "في دنيانا العربية الكثيرة الشجون تنهض حركات وتيارات وتجمعات ومراكز، وفي بالها ورؤاها ان يتبلور مفهوم حكم القانون ويتجذر وتمتد اغصان شجرته العظيمة، ويرخي بظلاله على كل مفازة وكل مدى ويجلس على الأريكة الكبرى"

.
وأشاد بالمركز الذي نشأ في هذا المناخ ونما بفضل ذوي همم يتصدرهم حرب ولا يجتمع فيه الاخوان "إلا على وليمة فكرية او نداء في سبيل الاصلاح، او تلاق على عيون الحق والخير، او تلبية لدعوة الحرية وشقيقتها الديموقراطية، او تصد لعلل اجتماعية وسياسية شتى، أكانت استبداداً ام استخفافاً بالقيم ام تعالياً ام فساداً ام استهتاراً بالنظم والقوانين، في حين أن اناساً لا يزالون على توهم واعتقاد ان القانون يصح ان يكون، من نحو، لعبة في ايديهم وحجراً ذهبيا يرضي ميولهم الى الاسترخاء والترف، ومن نحو آخر، حجر رحى يطحن حقوق الضعفاء ارضاء لجشع الاقوياء. في هذا الخط، اود ان استعيد ما حذرت به نفسي يوماً، والقضاة عموماً، بازاء هذه اللعبة الخطرة "اذا اعترى القاضي شعور بالضعف امام القوي، مات في نفسه نصف العدالة، ويموت نصفها الآخر اذا غطى ضعفه هذا بالاستقواء على الضعيف".

واشار الى مضمون الكتاب وما يطرحه من مسائل "فأمام توق الناس الى سيادة القانون، امام تمسكهم بحقوقهم الطبيعية في المساواة والحرية والتألق الفكري والازدهار، وامام الاخطار الداهمة والرياح الهوج واختلال الموازين واعتلال المفاهيم وترنح الحق في مواجهة الباطل باتت الحاجة ماسة الى ان نقرأ واقعنا معا ونستنير، ونناضل في ميادين جمة. ولن ننسى اننا في لبنان: يوم صيف وضاح تليه غمامات سود. كتلة ضخمة من النصوص القانونية تعتريها اختراقات. فخار بان بيروت هي ام الشرائع، يقاربه تبجح ومباهاة باننا احيانا فوق القانون. فبالله عليك يا اخي اللبناني، اعد حساباتك، وخذ القانون بحلمك، وكن على يقين ان كل اختراق منك يصيب قاعدة من القواعد السامية، وقيمة من القيم العليا، ومؤسسة من المؤسسات الدستورية، وحتى وان ضمن لك منفعة عارضة، فهو سيرتد يوما عليك وعلينا، وسيسقط الهيكل على الجميع سقوطا عظيما".
وقال "أرى مؤاتياً، في هذه الشطرة من الحياة القانونية في لبنان، ومن موقعي ان التفت من زوايا خمس في الدلالة على المعاني المتلونة والروافد المتشعبة التي تنبثق من مصطلح حكم القانون.

الزاوية الاولى هي استقلال القضاء. ان الاستقلال حالة وممارسة. حالة في كيان القاضي، وممارسة في عمله اليومي، وفي حركة السلطة التي ينتمي اليها. ان اصدار التشكيلات القضائية باجماع مجلس القضاء الاعلى وبالمسار الذي سلكته لدى السلطات الدستورية هو وجه من أوجه الممارسة السوية. وفي شأن الحالة والموقف الفردي، ادعو كل قاض الى ان يعطل بنفسه كل ضغط يمارس عليه ويحجب كل هوى وكل هواء هاب من الخارج، وان يقيم بينه وبين هواة التأثير ومحترفيه جداراً من الاسمنت المسلح. على القاضي ذي المناعة والشجاعة الا يكتفي بالقول لمن يحاول الضغط عليه: كف يدك عن القضاء، بل عليه ان يقول لنفسه: ما بالي، وانا حامل المسؤولية وصاحب القرار، لا اعطل بنفسي كل محاولة للتأثير، وكل غزوة تُشن على ارض القضاء؟

والزاوية الثانية هي الدعوى العادلة. لا لذة لدي، على القاضي ان يقول، تعادل لذة احقاق الحق، واشاعة العدالة. وجاء في احد المواثيق الدولية لكل شخص الحق في ان تسمع دعواه بانصاف وفي صورة علنية، وفي مهلة معقولة امام محكمة مستقلة ومحايدة. في مهلة معقولة، أجل، فأين العدالة اذا طال الانتظار في غياب الاسباب المنطقية؟ أين هي ان لم تكن تلبية عجلى لنداء مستغيث ومظلوم، واين هي اخيراً اذا انجر طالبوها الى اليأس من فاعلية القضاء، فعادوا القهقرى الى مواقعهم الاولى، واعتبروا اقامة الدعوى هدرا للوقت، وخسارة للحق وللامل في آن واحد.
والزاوية الثالثة هي وجوب تحصين الطرف الاضعف وحماية الاقليات في أي مجتمع من المجتمعات. تكون الصورة شديدة القتامة اذا عزز القانون الفئات الاقوى، وفي طليعتها الحكام. واذا ضل الاقوياء وشاؤوا التعسف والظلامة، فليكن ذلك، على الاقل، بفعل يصدر عنهم لا باستعمال القضاة مطية للعبث بحقوق الضعفاء.

والزاوية الرابعة هي المساءلة سواء أكانت العلة الداعية اليها فساداً ام استهتاراً ام استغباء للناس. لقد حددت المساءلة كالآتي: مراقبة السلطات والمؤسسات المختصة في مجتمع قانوني معين لكل عامل في الحقل العام والخاص، وملاحظة مدى تقيده بالموجبات التي تتطلبها وظيفته، حتى اذا اخل تتم ملاحقته ومحاكمته في سبيل اعادة التوازن الى العلاقات التي تربط الفرد باقرانه وبالمجتمع. اثنان يسيجان القيم ويحميان المؤسسات: مناقب الذات ومناجمها الذهبية اذا استجاب المسؤول لنداء الضمير الحي، والمحاسبة اذا ساقه الهوى والهوان الى اهمال الواجب ومجافاة التصرف الشريف.

والزاوية الخامسة هي ثقة الناس ومودة الرعية. يظل القاضي في موقع حرج، ان لم ينل ثقة الناس به. غاية الغايات هي الثقة التي لا تنال بالتمني وبالكلام النظري، بل تؤخذ غلابا بالنضال اليومي والعطاء وبالمآتي والمنجزات. ويظل الحاكم في موقع حرج كذلك، ان لم ينل مودة الرعية التي هي بدورها غاية الغايات (…). وفي الكتاب الصغير هم كبير وامنيات جلَى، في صدارتها ان اجعلنا يا الله نقيس الامور بمقاييسها الصحيحة ونزنها بميزان الصالح العام. واجعلنا ندرك اننا في عين رعايتك وعلى ما جاء في الحديث الشريف، "سواسية كأسنان المشط" واننا في ظلال القانون وتحت اسقفه ومبادئه، لا فوقه او في مواجهته او شرود عنه. واجعل مجتمعنا يوازن بين شحنات السياسة وظاهر الممارسة الديموقراطية للمؤسسات. فكلما طغت السياسة طغيانها ضعفت المؤسسات. وكلما غالت المؤسسات في التمسك باحرف القانون الخشبية خسرت السياسة نسيم الحرية العليل. بذلك يتجلى حكم القانون وتترسخ دولة القانون والانسان والحق والحرية والمساواة والديموقراطية والسلام.

المصدر:
النهار

خبر عاجل