خطاب الأكثرية الهادئ وخطاب الأقلية التصعيدي
ما يحض المراقبين على التساؤل، ويدفعهم الى محاولة اكتشاف الخلفيات الكامنة وراء التصعيد في لهجة قياديي الثامن من آذار، وبروز اجواء التهدئة التي تطبع خطاب معظم قياديي الرابع عشر من اذار، وفي مقدمهم النائبان وليد جنبلاط وسعد الحريري، ورئيس الهيئة التنفيذية لحزب القوات اللبنانية، هو هذا التناقض الفاضح في الموقفين، بحيث تكشف هذه الحالة المتناقضة بين الطرفين، ان ما يقال عن وجود خلافات عميقة بين اقطاب 14 اذار حول الترشحيات للانتخابات النيابية المقبلة، وان قوى 8 آذار ذاهبة الى المعركة بصفوف موحدة متفاهمة، هو قول غير دقيق ولا يعكس الصورة الحقيقية لما يدور وراء الكواليس وفي الغرف المغلقة، ولا يؤكد من ناحية اخرى اطمئنان الاقلية الى نتائج الانتخابات المقبلة، ولا الى اجواء المصالحات العربية التي على ما يتسرب منها لن تكون كفتها مائلة الى مصلحة الاقلية على حساب الاكثرية، كما يشاع في اكثر من مناسبة ووسيلة اعلامية، وحقيقة الامر ان الطرفين يعانيان من شد حبال انتخابية ولم يتوصلا بعد الى تذليل الخلافات القائمة على اسماء المرشحين، كما ان الطرفين يرقبان باهتمام ومتابعة ما يدور من اتصالات عربية – عربية وغربية – عربية، وعلى ما يبدو فإن هاتين الحالتين تنعكسان توترا وصدامية عند فريق 8 آذار اكثر منهما عند فريق 14 اذار.
اكثر القيادات الوطنية تخوفا من تصاعد لهجة العنف والتوتر في الخطاب السياسي عند البعض، هو البطريرك الماروني مار نصرالله صفير، الذي نبه في عظة يوم الاحد الى «ان الحرب اولها كلام، وكأننا لم نكتف بما حدث عندنا من حروب».
وهو لم يكتف بهذا الكلام التحذيري، بل طلب الى اهالي وسكان منطقة وكسروان، الى غيرهم ايضا، ممن كانوا يحضّرون لعملية زحف شعبي الى بكركي يوم الاحد المقبل تأييدا لمواقفه ورفضا للتطاول عليه وعلى الكنيسة، الغاء تحركهم هذا شعورا منه بدقة المرحلة مسيحيا ولبنانيا ومنعا لأي احتكاك او استغلال او دخول اطراف متضررة على الخط، وقيامها بأعمال قد تؤدي الى كارثة.
* * *
اللافت في اجواء التصعيد، المتسعة يوما بعد يوم، انها بدأت تدق ابواب قصر بعبدا، في محاولة مكشوفة لجر منصب الرئاسة الاولى الى الانخراط في سجالات سياسية وغير سياسية، على غرار ما كان يجري في العهد الماضي، وذلك على خلفية ملاحظات هي بمثابة اتهامات للتشكيلات القضائية التي وضعها مجلس القضاء الاعلى ووافق عليها بالاجماع، اسماء ومناصب ومناطق، وفات هؤلاء ان الرئيس العماد ميشال سليمان المتمسك بحياديته وبما ينص عليه القانون، تصرف وفق هذه الاقتناعات والمبادئ، دون ان يزيد فاصلة، او ينقص حرفا، ودون ان يفتش عن هذا الاسم او ذاك، طالما ان مجلس القضاء الاعلى هو صاحب الصلاحية الاساسية في هذا الشأن، ولذلك فإن اقحام الرئاسة الاولى في موضوع خلافي سياسي، والكلام عن محاصصة وترويكا، وما يجب وما لا يجب، لن تحيده عن موقف الحياد والتجرد، وعن قدسية الصمت، الا للدفاع عن مصلحة لبنان العليا.
* * *
وفي سياق متصل بأجواء التصعيد وبدء بروز الخلافات في شكل علني عند احزاب الاقلية وتياراتها وشخصياتها، ترى شخصية سياسية لبنانية كان لها حضور مؤثر في الحياة السياسية والنيابية والحكومية منذ اعوام الستينات، ان اعلان قادة 14 اذار نيتهم بعدم المشاركة في الحكم اذا فشلوا في الحصول على الاكثرية النيابية في الانتخابات المقبلة، قد اربك الى حد بعيد قيادات قوى 8 اذار وجعل خلافاتهم المختبئة في قصر الصمت، تطفو على الالسن والسطوح وهواء المحطات الاذاعية والتلفزيونية لأن سلاح الانكفاء الذي شهدته الموالاة، يصيب الاقلية في أعز ما تملكه اليوم، وتنوي الاحتفاظ به مستقبلا، وهو سلاح الثلث المعطل، ففي حال فازت الاكثرية الحالية في الانتخابات المقبلة، فإنها تنوي الحكم منفردة او بالشراكة، ولكن من دون ثلث معطل، وفي حال فشلت في الحصول على الاكثرية تنكفئ عن المشاركة وتتراجع الى الموقع المعارض، وعندها تصبح مهمة الاكثرية صعبة جدا في حكم البلاد، كونها لا تتمتع بتأييد الدول العربية ذات النفوذ السياسي والمالي والديبلوماسي، ودعمها، والامر ذاته ينسحب على معظم الدول الاوروبية وعلى الولايات المتحدة الاميركية، بحيث تواجه حكومة قوى الثامن من اذار نوعا من العزلة السياسية، والتراجع الاقتصادي، والضيق المالي، خصوصا ان ظروف لبنان الحالية، هي ظروف صعبة على مختلف الصعد ولا تحتمل ضغوطات اكبر.
هذا الواقع المنتظر اضافة الى الطموحات الشخصية، والامزجة المختلفة، والحسابات المتناقضة، سياسيا وانتخابيا، ستفكك لا محالة، التحالف بين قوى 8 اذار، الذي قيل عنه يوما انه تحالف ماروني حديدي، ويخشى كثيرا من الوصول الى مأزق ما، لا يمكن الخروج منه الا في عمل امني كبير او حرب محدودة، من شأنهما ان يغيرا في المعادلات القائمة حاليا، وتربط هذه الشخصية تحذيرات بعض الدول لرعاياها بعدم التوجه الى لبنان قبل واثناء الانتخابات النيابية المقبلة، بامتلاك هذه الدول معلومات او قراءات للاوضاع اللبنانية لا تبشر بالخير، وقد اشار البطريرك الماروني اكثر من مرة في مناسبات عدة، الى ان الامور في لبنان على ما هي عليه اليوم، وعلى ما يخشى منه مستقبلا، قاتمة ولا تبشر بالخير.
وتنهي هذه الشخصية تحليلها للامور بالقول ان النائب وليد جنبلاط الذي تعالى على جراح عديدة اصابت حزبه وطائفته، ويدعو دائما الى التهدئة والتنازل، يدرك اكثر من غيره خطورة المرحلة المقبلة على لبنان، وما اقباله على المصالحة مع الجيش وقائده، وعلى دعم خطوات رئيس الجمهورية التوافقية، واعتماد الهدوء في مقارباته السياسية، الا الدليل على شعوره بالاخطار المحدقة.