الأسد للأميركيين: تعاملوا وتحاوروا مع "المخربين"
مسؤول أميركي: لا أعرف مصير علاقاتنا مع سوريا
أكد مسؤول اميركي بارز التقيناه في باريس انه ليس قادرا على تحديد مسار العلاقات بين سوريا والولايات المتحدة والى اين ستتجه في المرحلة المقبلة في ضوء نتائج المحادثات الشاملة والمطولة والصريحة التي اجراها في دمشق يوم 7 آذار الجاري مبعوثا ادارة الرئيس اوباما جيفري فيلتمان مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الاوسط ودانيال شابيرو المسؤول عن شؤون الشرق الاوسط في مجلس الامن القومي الاميركي، مع وزير الخارجية السوري وليد المعلم ومسؤولين آخرين. واوضح هذا المسؤول الاميركي انه لم يتم التوصل خلال محادثات دمشق الى اي اتفاق في شأن الخطوات المقبلة بين البلدين، كما امتنع عن القول اذا كان تم التفاهم على "خريطة طريق" مشتركة اميركية – سورية للعمل والتعاون معا لمعالجة القضايا الاقليمية والثنائية العالقة، لكنه ذكر ان الحوار سيستمر بين البلدين من دون تحديد مستواه. وشدد هذا المسؤول الاميركي على ان الحوار الجاري مع سوريا هو لحماية لبنان وليس لبيعه. وذكر ان محادثات دمشق هذه مفيدة وبناءة لان الجانبين اصبحت لديهما فكرة واضحة عن القضايا والمسائل التي تثير قلق كل منهما، وستتاح للسوريين الفرصة في المرحلة المقبلة للتفكير في ما سمعوه من الوفد الاميركي.
في المقابل كشفت لنا مصادر ديبلوماسية اوروبية وثيقة الاطلاع انه لم يحدث اي اختراق حقيقي في العلاقات الاميركية – السورية، ولم يتم التوصل الى اتفاق محدد حول اي من القضايا المطروحة خلال محادثات المبعوثين الاميركيين مع المعلم. واوضحت ان الرئيس بشار الاسد امتنع عن استقبال هذين المبعوثين لان فيلتمان يدعم بقوة الاستقلاليين وفريق 14 آذار، ولان شابيرو شارك في عهد ادارة جورج بوش باعداد "قانون محاسبة سوريا" الذي فرض عقوبات اميركية عدة على هذا البلد. واكدت المصادر الاوروبية ان المعلومات التي تلقتها جهات اوروبية وعربية رسمية عن الاتصالات الجارية بين واشنطن ودمشق تكشف المسائل الاساسية الآتية:
اولا، ادارة اوباما ليست لديها اوهام او توقعات بحدوث تغييرات سريعة ودراماتيكية في السياسات السورية نتيجة الحوار مع نظام الاسد بسبب الخلافات العميقة بين البلدين حول عدد من القضايا الاقليمية كلبنان وفلسطين والعراق والموقف من ايران. وقد تبين للمسؤولين الاميركيين ان الانفتاح الفرنسي والاوروبي على النظام السوري حقق نتائج محدودة وغير كافية، ولم يدفع هذا النظام الى تغيير سياساته وتوجهاته جذريا. كما ان الاسد قدم وعودا كثيرة الى المسؤولين الفرنسيين والاوروبيين تتعلق بلبنان خصوصا ولم ينفذ سوى القليل منها.
ثانيا، ادارة اوباما ليست راغبة في اجراء الحوار مع النظام السوري من اجل الحوار ومن اجل مكافأة هذا النظام على سياساته واعماله وممارساته المرفوضة والمهددة للامن والاستقرار في عدد من الساحات الاقليمية وفي المنطقة عموما. بل ان ادارة اوباما تريد من خلال الحوار السياسي المتجدد مع النظام السوري التوصل الى نتائج ملموسة وانجاز مجموعة اهداف محددة بما يحقق مكاسب للولايات المتحدة ولسياستها في الشرق الاوسط وللدول والقوى العربية المعتدلة ولسوريا ذاتها، وبما يساعد على اضعاف وتقليص نفوذ النظام الايراني والقوى المتشددة والمتحالفة معه في المنطقة. واي حوار اميركي – سوري لن يحقق الاهداف والمكاسب المطلوبة لن تكون له فائدة او جدوى حقيقية.
ما المطلوب من الاسد؟
ثانيا، الحوار الاميركي مع سوريا ليس هدفه دعم ومساندة مشروع نظام الاسد التوسعي تجاه لبنان والتقسيمي في الساحة الفلسطينية بينه وبين ايران الساعية بالتفاهم مع قوى متشددة الى تعزيز نفوذها في الشرق الاوسط بشكل يتعارض مع مصالح دول عربية عدة ويهدد الامن والاستقرار والسلام. بل ان ادارة اوباما تريد عبر هذا الحوار اعطاء النظام السوري الفرصة الملائمة للتراجع تدريجا وجديا عن سياساته وتوجهاته الحالية المتعارضة مع المصالح الحيوية اللبنانية والفلسطينية والعراقية والعربية عموما والمتعارضة كذلك مع المصالح الاميركية والغربية في المنطقة. وما تريده ادارة اوباما هو جذب سوريا الى معسكر الاعتدال العربي الذي تقوده مصر والسعودية ويضم الغالبية الكبرى من الدول العربية بما يساعد على ضرب المشروع الايراني التوسعي الخطر في المنطقة.
رابعا، ادارة اوباما ليست راغبة في اعطاء نظام الاسد دروسا حول طريقة ادارة شؤون بلاده، لكنها ترى ان من الافضل له ولبلده ان يهتم النظام السوري بتأمين مصالحه ومصالح بلده المشروعة والحيوية سواء على الصعيد الداخلي او على صعيد استعادة الجولان المحتل بالوسائل الديبلوماسية والسلمية او على صعيد علاقاته العربية والدولية، وان يتوقف بالتالي عن تصدير "سياسة الاذى والتخريب" الى دول اخرى، وان يتخلى فعلا عن استراتيجية زرع الفوضى وعدم الاستقرار في لبنان وفلسطين والعراق وساحات اخرى من اجل محاولة تعزيز موقعه التفاوضي مع اميركا واسرائيل ودول اخرى.
خامسا، تدرك ادارة اوباما تماما ان احد مخاطر الحوار مع دمشق في هذا الوقت بالذات هو ان النظام السوري سيحاول استغلاله من اجل السعي الى تحقيق اهدافه الخاصة ومواصلة سياساته السلبية والخطرة في عدد من الساحات الاقليمية. ولمواجهة هذا الاحتمال ستحرص الادارة الاميركية باستمرار وانتظام على ان تطلع الدول والجهات المعنية، وكذلك الرأي العام، على مضمون الاتصالات الجارية مع النظام السوري، كما ستحرص على عدم ترك هذا النظام يقدم روايات غير صحيحة عن حصيلة اي لقاءات اميركية – سورية كما يحدث عادة، وفي الوقت نفسه اكد مسؤولون اميركيون رفيعو المستوى لجهات عربية ودولية رسمية ان ادارة اوباما لن تسمح لنظام الاسد بان يستخدم الحوار الاميركي معه لكي يتصرف مجددا في لبنان كما يريد ويتجاهل استقلال هذا البلد، وليدفع حلفاءه الى استخدام السلاح والعنف لمحاربة القوى الاستقلالية، او لزعزعة الامن والاستقرار في هذا البلد، ولمنع اجراء الانتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل خوفا من هزيمة انصار دمشق. وقد حذر المسؤولون الاميركيون من ان ادارة اوباما ستتعامل بحزم شديد مع اي اعمال او ممارسات سورية سلبية او خطرة في لبنان في المرحلة المقبلة، وانها مستعدة لوقف الحوار مع نظام الاسد اذا ما توصلت الى اقتناع بان المسؤولين السوريين يحاولون استغلال الانفتاح الاميركي المشروط عليهم للعمل على فرض هيمنتهم مجددا على هذا البلد. وشدد هؤلاء المسؤولون الاميركيون خلال اتصالاتهم العربية والدولية على ان الحفاظ على استقلال لبنان وسيادته هو من ثوابت السياسة الاميركية في الشرق الاوسط المتفق عليها بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري، وان ادارة اوباما لن تقبل التخلي عن هذا الالتزام. كما ان الالتزام الاميركي القوي بدعم المحكمة الدولية المكلفة النظر في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه وفي جرائم سياسية اخرى هو التزام ثابت ولن يتبدل. وهذا ما اكده بوضوح جيفري فيلتمان للمسؤولين اللبنانيين قبل توجهه الى دمشق للتباحث مع السوريين.
سادسا، الرئيس الاسد هو الذي يسعى ومنذ اشهر طويلة الى التقارب مع الادارة الاميركية الجديدة وحتى قبل انتخاب اوباما، ولذلك فان على الرئيس السوري ان يثبت فعلا انه يريد مثل هذا التقارب وهذا يتطلب منه اجراء تغييرات جدية وليس كلامية في سياساته وممارساته. فبالنسبة الى الملف اللبناني تريد ادارة اوباما من الاسد ان يتقبل فعلا ورسميا لبنان المستقل السيد المتحرر من الهيمنة السورية، وان يقوم بتطبيع العلاقات معه بشكل كامل بما يشمل الامتناع عن التدخل سلبا في شؤونه، وارسال سفير سوري الى بيروت، وتسهيل اجراء الانتخابات النيابية المقبلة، وترسيم الحدود، وتكريس لبنانية منطقة شبعا خطيا لتسهيل استعادتها بالوسائل الديبلوماسية، ووقف تهريب الاسلحة الى حلفاء دمشق، وتشجيع حليفه "حزب الله" على وضع سلاحه في تصرف الدولة، ومعالجة ملف المفقودين اللبنانيين في السجون السورية. كما تريد منه الغاء معاهدة "الاخوة والتعاون والتنسيق" التي انشأت وحدة امر واقع بين سوريا ولبنان، واعادة النظر في الاتفاقات الموقعة خلال مرحلة الهيمنة السورية على هذا البلد. وبالنسبة الى الملف الفلسطيني تريد واشنطن من الاسد ان يتوقف عن مساندة دولة "حماس" في قطاع غزة، وان يدعم جهود مصر لتحقيق المصالحة الفلسطينية وتعزيز دور السلطة الوطنية الشرعية وتشكيل حكومة وحدة وطنية تلتزم حل النزاع سلميا مع اسرائيل وهو ما يساعد على معالجة ذيول تداعيات حرب غزة وعلى اطلاق عملية تفاوض جديدة بين الفلسطينيين والاسرائيليين. وبالنسبة الى العراق، تريد واشنطن من الاسد ان يساند جديا النظام القائم في هذا البلد، وان يضع حدا نهائيا لعمليات تسلل المقاتلين العرب من اراضيه الى الساحة العراقية. وعلى الصعيد الاقليمي، تريد واشنطن من الاسد ان يوقف تعاونه السري مع الجهاديين وان يتوقف عن دعم سياسات ايران الخطرة ومشروعها النووي التسلحي، وان يعتمد مع سائر الدول العربية خطة موحدة لمواجهة الجمهورية الاسلامية ومشاريعها المختلفة. واذا ما تجاوب الاسد مع هذه المطالب الاميركية، واثبت فعلا انه يريد العمل من اجل دعم خيار السلام والاستقرار والبناء في المنطقة، فان ذلك سيؤدي الى تحسين العلاقات الاميركية – السورية وتطويرها وسيدفع ادارة اوباما الى الاهتمام جديا باحياء عملية التفاوض بين السوريين والاسرائيليين.
التعاطي مع "مخربي السلام"
ما مدى استعداد النظام السوري لتلبية هذه المطالب الاميركية وتنفيذها؟
الواقع ان المسؤولين الاميركيين انفسهم ليسوا واثقين من نجاح عملية الانفتاح المشروط على سوريا، ذلك ان الاسد والمسؤولين السوريين اكدوا للمبعوثين الاميركيين انهم مستعدون للتعاون مع ادارة اوباما لمعالجة مختلف المشاكل والنزاعات في المنطقة "بما يحقق المصالح السورية والاميركية معا"، لكن السوريين رفضوا الدخول في التفاصيل بشأن قضايا معينة كما امتنعوا عن تقديم التزامات محددة حول طريقة معالجة المشاكل العالقة.
وفي المقابل كشفت مصادر ديبلوماسية غربية وعربية وثيقة الاطلاع ان الاسد قدم الى ادارة اوباما عرضا يحاط مضمونه بالسرية ويدعوها فيه الى اعتماد استراتيجية جديدة في الشرق الاوسط، مختلفة جذريا عن الاستراتيجيات الاميركية التقليدية، تقوم على التعامل الاميركي مع "مخربي السلام" ومع القوى المتشددة وليس فقط مع الدول والقوى المعتدلة وانصار السلام التقليديين، من اجل تسوية المشاكل العالقة. وشدد الاسد على ان اعتماد ادارة اوباما على المعتدلين وحدهم لن يحقق لهم ما تريد، بل يجب ان تتعامل هذه الادارة بواقعية مع الاوضاع القائمة وتقبل التحاور الجدي مع الذين يعارضون السياسة الاميركية وكذلك مع الذين يعرقلون جهود السلام والتوصل مع هؤلاء "المخربين" الى تفاهمات مشتركة لاحراز تقدم ملموس في معالجة مشاكل الشرق الاوسط. وذكرت المصادر ذاتها ان الاسد لم يحدد هوية هؤلاء "المخربين" والمتشددين الذين ينصح واشنطن بالتحاور معهم، لكنها اكدت ان المقصود بكلامه دعوة ادارة اوباما الى التحاور بطرق مختلفة مع ايران وسوريا و"حماس" و"حزب الله" لتسوية المشاكل القائمة على اساس تفهم مواقف هؤلاء المتشددين وعدم الاكتفاء بفرض المطالب الاميركية عليهم او بدعوتهم الى اجراء تغييرات جذرية في توجهاتهم لكي تتلاءم مع مواقف اميركا وحلفائها. ووفقا لما اكده مسؤول سوري بارز لوزير اوروبي "فان الاسد يرغب في توسيع نطاق علاقاته الاقليمية والدولية وليس العكس، ولذلك يريد ان يحتفظ بعلاقاته القائمة حاليا مع ايران وحماس وحزب الله وتركيا، كما يرغب بالوقت نفسه في تحسين علاقاته مع اميركا والدول الغربية ومع الدول العربية المعتدلة".
وقال لنا مسؤول عربي بارز اطلع على هذا الموقف السوري: "ان بشار الاسد يكرر تجربة الرئيس الراحل صدام حسين. فبعد خمسة ايام من غزو الكويت مطلع آب 1990 بعث برسالة الى الادارة الاميركية اكد فيها ان من مصلحة اميركا التعامل والتعاون مع "الدول القوية المتشددة في المنطقة"، كالعراق وليس مع الدول "المعتدلة الضعيفة".
وشدد صدام على انه مستعد لتأمين المصالح الاميركية الحيوية والنفطية والاستراتيجية في المنطقة بشكل افضل من الدول المعتدلة، اذا ما تفهم الاميركيون مطالب النظام العراقي ومواقفه.
وكانت رسالة صدام هذه بمثابة دعوة للادارة الاميركية للموافقة الضمنية على ضم الكويت الى العراق. لكن اميركا رفضت هذا الاقتراح العراقي وجميعنا نعرف ماذا جرى للعراق".
واضاف المسؤول العربي: "ان من مصلحة الرئيس الاسد التجاوب مع المطالب الاميركية وليس الدخول في اي نوع من المواجهة مع ادارة اوباما لان مثل هذه المواجهة ستلحق اضرارا كبيرة بالنظام السوري وبسوريا" كذلك".