عن وهم "الصفقة" الدعائية !
ترسم المتغيرات العربية والدولية الجارية، بقوة دفع لافتة، صورة شديدة الالتباس للمشهد السياسي والانتخابي في لبنان في مطلع العدّ التنازلي لاستحقاقه الآتي في 7 حزيران المقبل، بما يصعب معه الركون الى اي اجتهاد متسرّع. وكما أغرقت زيارة الموفدين الأميركيين جيفري فيلتمان ودانيال شابيرو لدمشق بتوقعات وتقديرات مضخّمة ثبت انها لم تكن على مستوى الكثير من "طموحات" افرقاء لبنانيين يستعجلون "الصفقة" ومفاعيلها الفورية على الوضع الداخلي، تطرح الآن في "بورصة" اليوميات السياسية انعكاسات المصالحات العربية بين سوريا وكل من السعودية ومصر.
واقع الحال ان هذا الالتباس بين التضخيم والتريث يعود الى سببين مباشرين أولهما الغموض الذي يلف الوضع اللبناني حيال هذه المتغيرات، وثانيهما التوقيت المباغت لمؤثرات خارجية على المسار الانتخابي اللبناني. فمن غير المعقول تصور لبنان إلا "على الطاولة" سواء في "المفاوضات" الاميركية – السورية، وإن انطلقت بتعثر ثقيل، وكذلك في "المفاوضات" العربية – العربية لسبب موضعي بديهي هو ان لبنان كان ولا يزال الساحة المفتوحة للصراعات كما للتفاهمات، بكل إرث السلبيات والايجابيات لكل من الاحتمالين.
وفي عزّ الاستعدادات اللبنانية للانتخابات الحاسمة في حزيران، تهبط هذه المتغيرات كأنها تنبئ بعصر اقليمي جديد يتعين على القوى المتنافسة ان تدخله في حساباتها وأدبياتها السياسية والانتخابية مع انه لا يزال في مقتبل الولادة. وعلى أهمية هذا العنصر الوافد على الداخل اللبناني، فليس ثمة ما يوحي انه سيكون مستجيباً في مضمونه ومواقيته للكثير من المعادلات التي سعى اليها بعض افرقاء الداخل أملاً في "قلب الطاولة" الانتخابية رأساً على عقب بقوة دفع خارجية سافرة.
هؤلاء الافرقاء لا يزالون يقبعون عند مفاهيم دعائية انقرضت بفعل سنوات وتطورات لم تعد موجاتها قابلة للإحياء والاستحضار وذهبت معها "تقليعة" التلزيم والتفويض الى غير رجعة ليس بسبب مما شهده لبنان نفسه في السنوات الأربع الماضية فحسب، بل ايضاً بسبب التبدل الجذري في مصالح المجتمعين الدولي والعربي ازاء كل بقع التوتر في المنطقة بما فيها لبنان. وقد قدمت الأيام الأخيرة نموذجاً واضحاً وناطقاً حيال التفاوت الكبير بين "أحلام اليقظة" لدى بعض افرقاء الداخل وهذه الحقيقة السياسية بدليل التصريحات والاحاديث التي أدلى بها الرئيس السوري بشار الأسد واكتسبت اهميتها القصوى من حيث اثبات خلفية واضحة الى انه وبلاده لا يزالان في طور البدايات في المفاوضات البادئة مع الدول الغربية والعربية التي ساهمت طويلاً في مقاطعة سوريا ومناهضتها. ولم يكن استحضار الرئيس السوري لنبرة التشدد حيال لبنان سوى دليل على أن مرحلة "الانفتاح" الغربي والعربي عليه لن تكون بالمعايير القديمة التي سبقت الانفجار اللبناني في 14 آذار 2005. واذا كان الرئيس السوري يظهر في جانب من هذه المواقف انه يقف عند نقطة قوة محققة بفعل عودة الانفتاح على بلاده، وهو عامل واقعي يقتضي الاعتراف به، فإن الجانب الآخر من المعادلة لا يقل واقعية ويقتضي اعترافاً مقابلاً من اصحاب "احلام الصفقة" وهو ان المعايير اختلفت تماماً ولا مكان لصفقات ومقايضات مع مجتمع دولي وعربي شديد القوة والتأثير ويدرك ان الطريق الى الحروب تبدأ بالصفقات. فكيف يكون هذا المجتمع مقبلاً على تبريد الأزمات وتجفيف البؤر عبر طريق جُرِّبت مرات ولم تؤد إلا الى تفجير مزيد من الحروب والزلازل والأزمات في لبنان والمنطقة ؟
وهنا بيت القصيد تماماً في المعادلة التي يتعين على اللبنانيين قراءتها والاقبال على الانتخابات بلا خوف او ترهيب او وهم حيال الأنماط الدعائية التي تريد لهم ان يغرقوا في السخافات البائدة.