بما" أن 14 آذار رابحةٌ حتماً في حزيران المقبل و"بما" أن وثيقتها غداً تعلن رفضها الغلَبة مِن أنّى أتت
الطريق الى انتخابات "طبيعية": أن يعلن 8 آذار انتهاء التعطيل
.. إذاً، أُشبع مصطلح "مصيرية" في معرض توصيف الانتخابات النيابية المقبلة، شرحاً وبحثاً وتدقيقاً. ولعلّ في طليعة الاعتبارات التي تجعل هذه الانتخابات مصيرية، أن ثمة في الداخل والخارج معاً من يريد تعطيلها أو إملاء نتائجها مسبقاً ورسم "الصورة" التي يراها للمرحلة اللبنانية الآتية. وبين التلويح بالتعطيل من ناحية والتهديد بـ"صورة" معيّنة للوضع المقبل من ناحية ثانية، تكمن "المشكلة" الراهنة.
إنتخابات طبيعية: إنهاء التعطيل
غير أن الوقت لا يزال متاحاً كي تكون الانتخابات في 7 حزيران المقبل محطة "طبيعية" في ظلّ "مصيريّتها". وهذا الأمر يتوقف من دون شكّ على فريق 8 آذار، وعلى ثنائي "حزب الله" ـ "أمل" بشكل رئيسي. أي إن في يد هذا الثنائي أن يختار بين واحد من إثنين: إما مواصلة الخطى في "مشروع" العودة بلبنان الى ما قبل 14 شباط 2005، تاريخ جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري وما أنتجته من تحوّلات، وإما عقد العزم على وضع حدّ لـ"صفحات" هذا "المشروع" بشكل نهائي.
والحال أن ذهاب الثنائي باتجاه الخيار الثاني، أي وضع حد لـ"مشروع" التعطيل، لن يكون ممكناً إلا إذا اعترف بفشل هذا "المشروع" بحصيلة أربع سنوات، وبـ"إستحالة" المضيّ قدماً فيه ضمن الظروف الداخلية والخارجية الراهنة ـ المقبلة.
مشروع 8 آذار تعطيلي منذ "نعومة أظفاره"
وحقيقة الأمر في هذا المجال أن وصف "مشروع 8 آذار" بأنه "تعطيلي" خلافاً لادعاءات هذا الفريق بأنه "مشروع للشراكة"، مبنيّ على وقائع "تثبت" أن "جلّ" ما هدف إليه كان تعطيل التغيير الذي أنتجه إخراج الوصاية السورية من لبنان، وهو التغيير الذي كان ولا يزال يتطلّب ترجمةً في شتى الميادين والمجالات قيامةً لدولة لبنان السيّد المستقل الحر. بل إن "جلّ" ما هدف إليه "مشروع 8 آذار" كان إحباط أي محاولة لـ"التلاقي" اللبناني ـ اللبناني على إعادة تأسيس البلد وبناء دولته.
"بدايةُ" ذلك المشروع التعطيلي كانت معبّرة و"ناطقة" جداً في 8 آذار 2005 في تظاهرة "شكراً سوريا". ومع ذلك، لم تُقفل 14 آذار الباب ولم تُغلق المنافذ، طامحةً الى أن يعود "الجميع" الى البلد. وفي هذا الإطار كان "التحالف الرباعي" في إنتخابات 2005
.
"التحالف الرباعي" باستخدامات تعطيلية
لذلك "التحالف الرباعي" ـ لا أعاده الله ـ أضرارٌ جمّة كانت 14 آذار ـ أي القوى التي من ضمنها إنخرطت فيه ـ تعيها مسبقاً. نظر إليه مسيحيو الحركة الاستقلالية على أنه "طعنة نجلاء" إذ "عاجلهم" على أبواب الانتخابات مانحاً الجنرال ميشال عون العائد الى لبنان يومها بـ"خطة أخطبوطية" قوة دفع استثنائية. ونظر إليه "الشيعة الاستقلاليون" على أنه "صفعة" إذ "يشرّع" حصرية التمثيل الشيعي ومصادرتها. بيدَ أن "التحالف الرباعي" كان من زاوية القائمين به 14 آذارياً آنذاك، "محاولة" طمأنة الى "الشراكة" وإلى أن لا عزل ولا استبعاد. أما من زاوية ثنائي "حزب الله" ـ "أمل" فقد شكّل "التحالف الرباعي" ـ كما تبيّن تباعاً ـ محاولة لأخذ موقع يطوّق تشكّل الأكثرية النيابية ويعطّلها، ولإعطاء "الحليف تحت الطاولة" يومئذ أي الجنرال عون قدرة "التعبئة" بواسطة اللعب على الغرائز و"تخويف" المسيحيين من خطر مزعوم هو خطر اتفاق إسلامي ضد المسيحيين. باختصار، كان "التحالف الرباعي غير المأسوف عليه" مسعى استراتيجياً لبناء مرحلة لبنانية جديدة من جانب 14 آذار ـ أي بعضها ـ لكنه كان محاولة تكتيكية لـ"تأسيس" التعطيل من جانب الثنائي.
محطات في التعطيل
لا حاجة الى الإطالة. والمقصود قوله هنا هو أن "مشروع التعطيل" الذي بدأ يوم 8 آذار 2005 "مرّ" ضمن "التحالف الرباعي" لفترة، قبل أن يتصاعد تدريجاً بعد ذلك، من الاعتكاف داخل الحكومة الى الاستقالة من الحكومة.. الى 7 أيار الماضي حيث استخدم السلاح في الداخل، وصولاً الى إملاء الشروط المسبقة على الانتخابات النيابية المقبلة. والمقصود أيضاً أن فريق 8 آذار، وثنائي "حزب الله" ـ "أمل" تحديداً، نسف كل محاولات التسوية التي بادرت إليها 14 آذار، وأبرزها في أيار 2007 عندما دعت الى "مصالحة تاريخية" بين الاستقلال والسيادة من جهة والتحرير من جهة أخرى.
فشل 8 آذار: علائمه
إذاً، إن "مشروع 8 آذار" تعطيلي.. والأهم من أنه تعطيلي أنه قد فشل. ومن علائم الفشل إثنتان. الأولى أن "وقع" استخدام السلاح في الداخل سقط "لأن" العودة الى استخدامه تغدو "مستحيلة" في المناخات العربية والدولية القائمة. والثانية أن 14 آذار رابحةٌ للانتخابات حتماً "كيفما برمَت"، ولو لم تكن تلك هي الحقيقة، فلماذا يطالبُ الفريق الآخر بـ"ثلث معطّل" إذا كان مقتنعاً بفرص ربحه، ولماذا يضغط النظام السوري من الخارج ترهيباً للعملية الانتخابية؟
تأسيساً على كل ما تقدّم، وبالعودة الى نقطة الانطلاق، يمكن للانتخابات المصيرية المقبلة أن تكون محطة "طبيعية" إذا أقر الثنائي بإنهاء التعطيل وسلّم بأن التعطيل لا يمكن أن يكون "سيّد الأحكام" في مرحلة ما بعد الانتخابات. والأهم إذا تحوّل الثنائي من السلب ـ التعطيل ـ الى الإيجاب ـ "العودة" الى لبنان والتطلع الى المستقبل ـ وإذا وعى أن "كل المسألة" تقوم على كيف يتم بناء المستقبل مع شركاء آخرين من ضمن إحترام الميثاق والدستور.
وثيقة 14 آذار غداً
غداً، تعقد 14 آذار مؤتمرها العام الثاني. وستُعلن وثيقتها السياسية للانتخابات المقبلة. لا تجد 14 آذار نفسها بحاجة الى أن تصعّد "اللهجة" في هذه المناسبة. بل على العكس هي بحاجة الى وثيقة تحدّد مشروعاً سياسياً همّه حماية لبنان وإنهاضه والذهاب به الى استقرار "مديد" إن لم يكن "أبدياً". وهي بحاجة الى أن تقول لـ"الآخر" إن مقابل التعطيل المرفوض سابقاً ولاحقاً "الاتفاق السياسي"، الاتفاق إنطلاقاً من مشروعها الذي "تكاد" تختصره جملة واحدة: نرفض إستخدام لبنان في نزاعات إقليمية ولحسابات إقليمية وذلك من أجل أن يأخذ فرصة بناء حاضره ومستقبله. و14 آذار المتأكدة من أنها ستربح الانتخابات، تريد هذا الربح في وجه التعطيل لكنه تريده أساساً لتعزيز فرص "الاتفاق السياسي".. اي ترفض الغلَبة ومنفتحة على الاتفاق الجدّي.
لا تعطيل بعد الآن
إن ما جرى طرحه في هذه المقدمات جميعاً، لا يتعلق بـ"لفظيات" وثيقة 14 آذار المنتظرة، ولا بما يسمى "التهدئة" الواجبة الوجود، بل هو من أجل القول إن الانتخابات يجب أن تحصل وهي ستحصل فعلاً، وإن ما بعد الانتخابات لا مكان فيه لـ"التعطيل" ومفرداته وأدواته، إنما استعدادٌ لتحقيق "إتفاق سياسي" آفاقه الفعلية موجودة إذا اعتبر فريق 8 آذار، والثنائي ضمنه تحديداً، أن الوقت حان لـ"العودة" الى البلد. إتفاق سياسي، فيه تشديد على الديموقراطية بكل تأكيد.. لأن القواعد الديموقراطية ينبغي إحترامها على الدوام.