ظهور مسلح لقوى فلسطينية ولبنانية متعددة الولاء الإقليمي
مناورة تكتيكية لـ"حزب الله" تسمح بانتشار فوضى السلاح جنوب لبنان
هل انتهى احتكار "حزب الله" لشعار المقاومة, ذريعته الوحيدة للاحتفاظ بسلاحه إلى أجل غير مسمى؟, وهل شكل 7 أيار 2008 أو ما عرف بغزوة بيروت, مفترقاً ستراتيجياً, أصاب الحزب قبل غيره؟, وهل أشرت حوادث إطلاق الصواريخ "المجهولة" تكراراً من جنوب لبنان باتجاه إسرائيل, على تبدل ما في الوضع الميداني للحدود, أم أنها لعبة توزيع أدوار, تنتهي في نهاية المطاف, إلى الضبط والتأطير؟
كل هذه الأسئلة تتداولها الأوساط السياسية اللبنانية, إثر عدد من الوقائع العسكرية اللافتة للنظر, والتي توحي أن "حزب الله" بدأ يفقد سيطرته الحديدية على ميدان الجنوب, كانعكاس لحالة التردي التي أصابت أهالي هذه المنطقة بفعل الحروب المتكررة, عدا عن دخول قوى خارجية عدة إلى هذا الميدان, في استعادة لواقع ما قبل العام ,1982 حين كانت أرض الجنوب سائبة, يتحكم بكل جزء منها فصيل فلسطيني, أو ميليشيا لبنانية.
ولعل أبرز هذه الوقائع, حوادث إطلاق الصواريخ, التي شكلت برأي بعض المراقبين رسائل سورية أكثر منها إيرانية, وعودة التنظيمات الفلسطينية, وبعض بقايا أحزاب "الحركة الوطنية", إلى الظهور المسلح, من حين إلى آخر في الجنوب, بالإضافة إلى تطور بارز شهدته المنطقة أخيراً, وتمثل بإطلاق "المقاومة الإسلامية العربية", بقيادة رجل الدين الشيعي السيد محمد علي الحسيني, والتي أعلنت عن نفسها بقوة قبل أشهر, شاهرة السلاح المتوسط الثقيل أمام الملأ, كما قامت بمناورات ضخمة الأسبوع الماضي, وفقا لما كشفه الحسيني لموقع "العربية.نت" الالكتروني اول من امس.
"السياسة" استطلعت الأمر ميدانياً, ورصدت الآتي:
أولاً: يحتفظ "حزب الله" بكل مواقعه القديمة, بالإضافة إلى استحداث مراكز وتحصينات في مناطق جديدة, من خلال تقسيم الميدان إلى ثلاثة خطوط دفاعية, ويعتقد كثيرون في المنطقة أنه تزود بصواريخ دفاع جوي نصبها في الخطوط الخلفية.
الجديد في موضوع انتشار قوات الحزب, وجود مناطق "ميتة", أي خالية من عناصره وأسلحته, وتحديداً في ما بين الخطوط الثلاثة, الأمر الذي يطرح تساؤلات عن "الحكمة" من ترك طرق الإمداد بين هذه الخطوط فارغة.
ثانياً: في المناطق "الميتة" الآنفة الذكر, بدأت فصائل فلسطينية وأحزاب وتنظيمات لبنانية بتركيز قواعد عسكرية سرية, تفضحها من حين لآخر تحركات شاحنات تنقل أسلحة وذخائر, ويلاحظ أبناء المنطقة, وجود أشخاص غرباء, من غير أهل القرى والبلدات.
وعند التدقيق مع المعنيين تبين أن هذه القواعد تعود لأحزاب في "الحركة الوطنية" السابقة, كانت قد شاركت في عمليات المقاومة في الثمانينات من القرن الماضي, ثم توقفت مطلع التسعينات, بقرار من اللواء السوري الراحل غازي كنعان (حاكم لبنان الفعلي في ذلك الوقت) الذي حصر المقاومة ب¯"حزب الله". هذه الأحزاب موجودة في المناطق غير الصافية شيعياً, والتي تشمل قرى وبلدات مسيحية وسنية ودرزية.
ثالثاً: بعد أحداث أيار 2008 في بيروت والجبل ومناطق أخرى, تبدلت العلاقة العسكرية والميدانية بين حركة "أمل" و"حزب الله", وعادت الحركة إلى التسلح الواسع, بعد انكفاء طويل عائد لسببين: القرار السوري إياه, وعدم توفر التمويل اللازم, عدا عن مضايقات "حزب الله" لعناصر حركة "أمل" في كل مكان يتجاور فيه الطرفان.
وتمثلت عودة حركة "أمل" إلى "ساحة المقاومة" في إقامة قواعدها العسكرية الخاصة بها في خراج البلدات والقرى التي تسيطر عليها سياسياً, وتتمتع بنفوذ شعبي يفوق ما لـ"حزب الله", ولكن هذه القواعد العسكرية الجديدة مدعومة من الحزب لوجستياً حتى الآن, ما يؤشر على وجود تفاهم ما على تقاسم المناطق.
رابعاً: تكررت في الآونة الأخيرة الإعلانات عن مناورات وتدريبات تجريها "المقاومة الإسلامية العربية" بقيادة السيد الحسيني, وقد تبين أن هذه القوة الناشئة تمتلك عدداً من المواقع المسلحة في الجنوب, من دون أية علاقة مباشرة أو غير مباشرة بـ"حزب الله" علماً أن مقار الحسيني تقع كلها في المناطق الشيعية مثل الضاحية الجنوبية وصور وبعلبك.
خامساً: قبل حرب يوليو 2006 كان يمكن الجزم أن الفصائل الفلسطينية المسلحة في الجنوب, محصورة داخل المخيمات, ولكن بعد الحرب بدأت بالتمدد إلى خارجها, وتحديداً إلى المناطق "الميتة" آنفة الذكر, وقد أكد مسؤول فلسطيني وجود ثلاثة مواقع عسكرية على الأقل خارج مخيمات الجنوب, تابعة لفصائل حليفة لدمشق.
سياسياً يفسر بعض المراقبين "التبدل" الحاصل على أرض الجنوب بـ"التكتيكي", وليس بالستراتيجي, وبرأيهم فإن "حزب الله" لا يزال يمسك بالميدان عسكرياً, من خلال ترسانته, وأمنياً من خلال شبكة مخابراته التي ترصد كل شيء, بدءاً من التحركات العسكرية في المنطقة, وصولاً إلى كل تفاصيل الحياة الاجتماعية اليومية في القرى والبلدات والمدن.
ويعتبر هؤلاء أن ما يجري هو من صنع "حزب الله" نفسه, ليوهم الجميع أنه ليس المسؤول الوحيد عن السلاح غير الشرعي الذي يتحدى سلطة الدولة.
لكن مراقبين آخرين يفسرون الأمر بشكل مختلف, يؤدي إلى النتيجة نفسها, أي استمرار إمساك الحزب بميدان الجنوب, حيث يشيرون إلى أن قيادة الحزب تعرضت لضغوط إقليمية كبيرة من أجل تسهيل انتشار القواعد العسكرية المختلفة, وقد رضخت جزئياً, فسمحت بإيجاد هذه المواقع, ولكن فقط في المناطق التي لا تفيدها مباشرة.
هذا من جهة, ومن جهة ثانية, أخضعت كل القوى الفلسطينية واللبنانية المنتشرة لمراقبتها, لا بل جعلتها في مرمى قوتها النارية, لتصفيتها وقت اللزوم. وهكذا يحتفظ الحزب "بحق حفظ الأمن" في الجنوب إذا شاء, أو إذا طلب منه ذلك, أو على العكس, الاحتفاظ بالقدرة على إشعال حرب, من دون أين يكون مسؤولاً أمام الرأي العام, عن نشوبها.