انتخابات من أجل لبنان الاستثناء
قيل لو كان النظام اللبناني دكتاتورياً كما هي حال معظم الأنظمة العربية؛ ولو كان النظام عنصرياً كما هي حال الكيان الصهيوني، ولو كان الحكم عسكرياً وأمنياً ومخابراتياً وقمعياً ودموياً؛ ولو كان الحكم أحادياً، حزبياً، مغلقاً، على غير تعدد؛ ولو كان الجيش اللبناني (كباقي الجيوش العربية) قوياً، ومتماسكاً، وممسكاً بنفسه بأمور السلطة، ومفاصلها، وشؤون الناس، وأفكارهم، وانتماءاتهم، لما وقعت كل الحروب والمآسي على امتداد أربعة عقود، ولما تسرّب من تسرّب، من قوى وتنظيمات وأنظمة عربية وغير عربية، وفعلت ما فعلت من تدمير الدولة والجيش وتقسيم السلطة والأرض، ولما هيمنت إفرازاتها الميليشيوية بحكم كانتونيتها على مصير البلد. بمعنى آخر لو كان هناك دولة بوليسية على رأسها هذا "الأخ الأكبر"، أو ذاك، بما يعني ذلك من ظواهر استبدادية لما سقط لبنان في استبداد الوصايات المتعاقبة عليه… ولما وصلت إسرائيل في غزوها الى قلب بيروت. ذلك أن الديموقراطية اللبنانية التي كانت حققت، على مستوى الناس وأدوات المجتمع المدني، إنجازات جمّة، كانت هي "السبب" في تسلل "الآخرين" وبمؤازرة "المحليين"، انطلاقاً من هوامشها، لتدميرها كلها.
والديموقراطية التي أنتجت نقيضها في أوروبا وغيرها، حيث تسلقت سلالمها القوى التوتاليتارية من نازية وفاشية وستالينية، أظهرت أن الديموقراطية لا تنتج دائماً الديموقراطية، ولا الحداثة تنتج الحداثة، ولا التنوير ينتج التنوير، وفي ظروف معينة، تحمل كل ظاهرة منها، أو فكرة، أو نظام، بذور موتها. ويزداد الأمر عندنا تعقيداً، عندما تكون الديموقراطية محاصرة حتى الاختناق بدكتاتوريات مشهودة، وباستبدادية حزبية أحادية، بحيث تبدو كل تعددية عندنا (وإن اختلفت التعددية بالطائفية والعلمانية والمدنية) وكأنها عبء بالنسبة الى جوارها، وفضيحة بالنسبة الى الظواهر الإنقلابية السائدة. وفي الوقت الذي كانت تجري عندنا الانتخابات النيابية والرئاسية من قبل الناس، ويتم تداول السلطة عبرها، وتبرز معارضة وموالاة، بالطرق الديموقراطية، وكانت الأنظمة في الجوارين القريب والبعيد، تتحكم بإرادة الناس وتقولبها (بالقتل والرعب والقمع والسجن والنفي والاغتيال)، بحيث يتم تكريس الحكم الفردي أبدياً "من الأبد الى الأبد"، وتكون الانتخابات استفتاء، وبيعة، و99,99%، ويصبح الرئيس أو القائد البطل (المسحوق بالهزائم) هو الأب، والراعي، والمطلق، و"الإله"، والمعصوم، بحيث يعكس الآية: فبدلاً من أن ينتخبه الشعب، ها هو يتولى انتخاب الشعب، على صورته البهية، وشاكلته، وأمراضه وتخلفه وجرائمه! فهل دفع لبنان ضريبة ديموقراطيته، واستثنائيته، على امتداد الحروب وصولاً الى الوقت الحاضر!
فإذا كانت "الحروب" التي دامت قرابة أربعة عقود ألغت هذا الاستثناء، وبالطبع الديموقراطية، فقد ساوت بيننا وبين تلك الأنظمة، التي حاولت قولبة الناس عبر هيمنتها، وتعميقها قبائل وميليشيات، وفككت كل شيء: صار العنف هو مفتاح الحلول، وأعدمت الحياة السياسية، وتحول الصراع الذي كان سياسياً (بين يمين ويسار) الى صراع طائفي ومذهبي. ويعني ذلك الوقوع في الكانتونية المظلمة، وفي منطق الدويلات والميليشيات، والإدارات المدنية، وهيمنة الحزب الواحد (الطائفي أو المذهبي)، على تلك الدويلات. وكلنا يعلم أن الوصايات المتعاقبة كرّست هذه الظواهر، لا سيما الوصاية الشقيقة الأخيرة، بحيث إنها استكملت تدمير البنى الاجتماعية والسياسية والحزبية والفكرية (حتى فكرة العروبة)، وتخريب ما تبقى من أدوات المجتمع المدني، لتحوّل لبنان من كانتونات سافرة على امتداد الحروب، الى كانتونات غير معلنة على امتداد تفرد الوصاية به: بل وتعمّقت المناحي التقسيمية المذهبية، وقطعت أوصال الأحزاب، ومَنعت "الطوائف" حتى من اللقاء بقرار ذاتي، أو وطني، باعتبار أن لبنان هو مجموعة طوائف ـ وحوش إذا انسحبت الوصاية منه انقضت على بعضها، وفتكت ببعضها، واستفرست بعضها، ليكون المانع لانقضاض مجموعة "الشعوب اللبنانية" على نفسها هو الوصاية: منقذة لبنان من الحروب والتقسيم والخراب.
هذه الفكرة الرهيبة التي صاغتها، صدّرتها الوصاية وبعض حلفائها اللبنانيين عن لبنان، كادت ترسخ حتى عند اللبنانيين أنفسهم: لا نستطيع أن نحكم ذاتنا، ولا نستطيع أن نجري انتخابات، ولا نستحق أن نقرر مصيرنا، ولا أن نسوس أمورنا: يعني أن كل الشعوب في العالم قادرة على إنتاج "تعايش" أو صيغ حكم، أو تولي إدارة شؤونها إلاّ لبنان، وإلا الشعب اللبناني. وعلى هذا الأساس كان للوصاية الشقيقة ثم للوصاية الإعجمية "الشفيعة" بإذنه تعالى، أن تُدبرا المسائل والقضايا، فيكون للأولى أن تعين رئيس الجمهورية ورئيس البرلمان، ورئيس الحكومة، والجنرالات، والقادة… وحتى النواطير، لتطبق سيطرتها المطلقة على لبنان مشكورة، وليكون للثانية الأعجمية وبالاتفاق "الاستراتيجي" مع الأولى، أن تتولى الحدود وقرار الحرب والسلم… حتى وصلتا الى وضع الأيدي على كل شيء بالتكافل والتضامن. وقد استمر هذا الوضع الهنيء القائم على إلغاء الشعب اللبناني عن خريطة الوجود السياسي المستقل، حتى تفجر ثورة الأرز بعد اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري… ومن ثم الشهداء الآخرين، وخروج جيش الوصاية من لبنان، وتغير الأحوال عبر فوز 14 آذار بالانتخابات، ومجيء أول حكومة في عهد الاستقلال الثاني. وعاد عبر ذلك لبنان "الاستثناء" لبنان السيادة أولاً، والاستقلال أولاً، والديموقراطية أولاً، وتحرير الشارع أولاً، والعدالة أولاً، وحرية التعبير والتظاهر أولاً… وكلها كانت ممنوعة بالحديد والنار. عودة الاستثناء "الاستقلالي" هذا واجهته قوى الاستقلال عن لبنان السيادي، والتي أخلصت للوصايتين قراراً، ومالاً، وسلاحاً، وشعاراً وعنفاً… لتعود النغمة القديمة وأسطوانة بيضافون التاريخية: ممنوعٌ على اللبنانيين أن يحكموا بلادهم. وممنوع الأمن. والازدهار الاقتصادي. والسيادة. وممنوع لقاء الطوائف على أي مشروع وطني أو إنمائي أو سياسي. وعلى هذا الأساس بدأت الأقلية التي تمثل الوصايتين وكالة ودوراً وتنفيذاً وتبعية أن تحاول ضرب كل الإنجازات الاستقلالية:
1 ـ البرلمان الذي أنتجته الانتخابات عطلوه وألغوا حضوره.
2 ـ الحكومة المنبثقة من البرلمان حاصروها وخوّنوها وهددوها.
3 ـ الجيش أرادوا تعطيل دوره الجديد لحماية الوطن لا حماية جيوش الوصايتين وعسكرها وحرسها، فكانت حركة العبسي الإنقلابية (نتذكر المجزرة التي ارتكبت ببعض أفراد الجيش غيلة وغدراً)، التي كان ينتظر منها ضرب البنية العسكرية والجغرافية والسياسية لمنطقة الشمال، لإعلان حالة تمرد تكون نموذجاً يُعَمّم في مناطق أخرى. ولا ننسى القنابل ولا الاغتيالات التي طاولت الثكن وبعض الضباط. فالجيش هو المستهدف إلاّ إذا عاد الى دوره "اللحودي" القديم والذي يقتصر على رمزية تجريدية هنا، وعلى تولي أمور قمعية داخلية.
4 ـ ضرب الاقتصاد الذي بدأ يزدهر في العهد السيادي، فكان إعلام يُهدد وتصريحات تبشّر بالحروب، ثم احتلال وسط العاصمة الذي أدى الى خسائر بمئات ملايين الدولارات! وقد اعتبر أهل 8 آذار أن "إحتلالهم" جزءاً من بلادهم "إنتصار" إلهي ودنيوي أيضاً!
5 ـ تخريب الاستقرار الأمني بالمعارك المتنقلة، والمحاولات الإنقلابية المتكررة من حركة العبسي الى حركة كانون الثاني الفاشلة الى الهجوم على الأحياء، الى الاعتداء على الناس، فإلى 7 أيار المشؤوم والعار على أصحابه من أهل القرار ومن أهل التنفيذ: من الأسياد ومن الكومبارس: وهؤلاء الكومبارس هم الذين بحقد غير مفهوم أحرقوا تلفزيون المستقبل وجريدة "المستقبل"… لتكون تلك الجريمة إعلام نصر جديد يشبه انتصارات الغستابو في عزّ النازية الميمونة!
6 ـ شلّ الحكومة بـ"الثلث المعطّل"، وهو بدعة فرضت من قبل الأقلية لتعطّل حكم الأكثرية، وتكسر التوافقية بعد مؤتمر الدوحة.
7 ـ محاولة تعطيل رئاسة الجمهورية ومحاصرتها بكل هذه الأمور، باعتبارها جزءاً من توافقية الدوحة، ومن ثم "إنتصاراً" لـ14 آذار، لا من حيث انتماء الرئيس سليمان الى هذا الفريق، وإنما كون الانتخابات تمت أولاً، ومن ثم عدم وصول ميشال عون "مريض" الجمهورية… الأبدي أو سواه من "المشاللة" أو العواعنة الذين يفعلون أي شيء للوصول… لمجرد الوصول الى بعض "طموحاتهم" البائسة!
8 ـ محاولة تخريب آلية القضاء والعدالة والمحكمة الدولية، وهذه كانت في صلب مختلف محاولات الانقلابات والاعتداءات التي قامت بها الأقلية، والتي لم تسفر عن أي شيء: والدليل قيام المحكمة في لاهاي، وتنفيذ التعيينات القضائية قبل أيام عدة.
9 ـ محاولة الالتفاف على القرار 1701 بشتى الطرق المباشرة وغير المباشرة، وما زالت هذه المحاولات شغالة بإذنه تعالى!
10 ـ والآن، ترسم دوائر مخابرات الوصايتين احتمالات تعطيل الانتخابات النيابية الثانية في العهد الاستقلالي الثاني، بالتهديد بـ7 أيار جديد! 7 أيار جديد لن يكون مصيره المهين مختلفاً عن مصير سابقه التافه!
كل ما سقناه حول المرحلتين: ما قبل انتفاضة الأرز أي عهد الوصاية الذي ضرب "الاستثناء" اللبناني، وما بعد الانتفاضة أي استرجاع هذا الاستثناء بإنجازات السنوات الأربع، ينتصب حالياً، ليكون الواقع عشية الانتخابات، ليمثل تجديد صراع بين فئة تريد إرجاع عقارب الساعة الى الوراء وفئة أخرى تريد استكمال المشروع الاستثنائي الوطني السيادي والديموقراطي أي استرجاع الدولة كبنية محورية، تستوعب مختلف البنى الأخرى. الدولة مقابل الدويلة. الجيش مقابل الميليشيات. السيادة مقابل التبعية. الديموقراطية مقابل الاستبداد. الأحادية مقابل التعددية. الفردية مقابل التوتاليتارية. المجتمع المدني مقابل "المجتمعات" الأمنية المفككة السائبة. قطبية الدولة مقابل شرذمة الكانتونات. حرية التعبير مقابل القمع. الثقافة المفتوحة مقابل ثقافة الإنغلاق. الحداثة كونها انخراطاً عقلانياً في أمور العالم والأفكار، مقابل القرون الوسطية والخرافية في "تأييد" الخطاب الظلامي. مفهوم الشعب كمصدر للحكم مقابل مفهوم القطيع "كمصدر" للتحكم…
من هنا تأتي الانتخابات النيابية المقبلة أكثر من مجرد محطة استمرارية لواقع صراعي، وأكثر من تأكيد "شخصانيات" حزبية أو سياسية، أو محاصصة، بالنسبة الى جماعة 14 آذار، وأكثر من تنافس ضمن الطائفة الواحدة على عدد مقاعد في كتلة ما، بل وأكثر من محاولة تحجيم ميشال عون كرمز من رموز 8 آذار، أو كواجهة للوصايتين لضرب إنجازات 14 آذار، الى ما هو أبعد من ذلك: تكريس الاستثناء اللبناني الذي حسم في مفهومين متناقضين للبنان: لبنان المحيط العنصري الاستبدادي الأحادي الساحة التي يتحرك فيها الآخرون لتحويله تفصيلاً في مخططاتهم، لبنان السيادي، لبنان التعددي، أي لبنان اللبناني ـ العروبي ـ العالمي، وبين لبنان اللالبناني المشوه الهوية والمصادر، لبنان الشعب اللبناني أو لبنان الوصايتين، لبنان المشروع الحضاري والسياسي والنهضوي، ولبنان الظلامي البربري والفئوي والانحطاطي!
على هذا الأساس يمكن رفع شعار كبير فوق كل اليافطات والخطب والأفكار: نكون أو لا نكون. يكون لبنان أو لا يكون. يكون لبنان أولاً… أو لا يكون. يكون لبنان عروبياً أو لا يكون… وهذا ما يجعل المسؤولية أكبر على الفريق السيادي، كفعل تجديدي لتجربة السنوات الأربع في الحكم، وكذلك للأفكار السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية، أي الأفكار المتصلة بمدى تفعيل المجتمع المدني الى تكاوينه وتلاوينه واحتمالاته، ليس عبر انصهار قسري (توتاليتاري ـ قبلي ـ مذهبي ـ حزبي) بل عبر لقاء الرؤى والطموحات والمشاريع المفتوحة على المستقبل، باعتبار أن 14 آذار قدمت نفسها كمشروع استقلالي ـ سيادي ـ ديموقراطي وذلك كمشروع كلي ينخرط في هذا العالم الفسيح بكل تشعباته، وتحقيقاته، وتلاوينه، وتناقضاته، سواء العالم العربي (ومن دون تبعية) عبر عروبة ديموقراطية (نقيضة شعارات الأنظمة التافهة)، تكون من منطلقات الانفتاح على المجتمعات بكل طبقاتها واثنياتها، وهواجسها، بحيث تجسد معطى مشرعاً على اللانهائي.
14 آذار أمام تحديات كبرى، عشية الانتخابات: أتكون مشروعاً متنوعاً ضمن فضاء رؤيوي متجانس، أم تكون مجرد فسيفساء إنتخابية أو ظرفية… تتفكك إزاء أي تناقضات جزئية بين مصالح أو خلافات بين أطرافها!
وأخيراً الجمهور المليوني الذي دافع عن إنجازات ثورة الأرز، باللحم الحي، وبالصدور العالية، في مواجهة الحديد والنار والانقلابات والغزو… هذا الجمهور لن يرحم من يخون تضحياته وأحلامه… لن يرحم من يتاجر بدماء شهدائه… وهو بالمرصاد!
فحذارِ!