لماذا خيار الدولة هو الأصعب ؟
في مراجعة للمشهد السياسي اللبناني خلال السنوات الاربع الاخيرة، يبدو بوضوح ان من اختار مشروع الدولة وتفعيل دور مؤسساتها قد ذهب الى الخيار الاصعب والاكثر كلفة وتضحية، في حين لا تبدو الامور بمثل هذه الصعوبة بالنسبة لمن لا يزال ظاهرا، يتمسك بثنائية الدولة ـ المقاومة، وفعليا له مشروعه الموازي للدولة ومؤسساتها.
رب سائل يسأل وما هي التحديات الصعبة التي تواجه اصحاب خيار الدولة وتختلف عن التحديات التي تواجه اصحاب المشاريع الموازية؟ في الواقع للاجابة عن هذا السؤال لا حاجة للذهاب بعيدا وراء الوقائع والادلة عن حجم التحديات التي تحفل بها روزنامة الاحداث وذاكرة اللبنانيين طوال السنوات الاربع الاخيرة.
فالتحديات الامنية كانت اولى هذه التحديات التي واجهت القوى التي اختارت مشروع الدولة. ولعل مسلسل الاغتيالات والتفجيرات الطويل والفظيع الذي استهدف النخب السياسية والصحافية والنيابية المؤمنة بمشروع الدولة هو خير دليل على هذا النوع من التحدي الذي استهدف حصريا اصحاب مشروع الدولة. والى جانب الاغتيالات والتفجيرات، ثمة تحد امني آخر كان من الصعب على من آمن بمشروع الدولة مواجهته بغير منطق الدولة والقانون، وهو النهج العنفي الذي اعتمدته ولا تزال تعتمده القوى غير المؤمنة بمشروع الدولة او "لبنان اولا"، بوجه القوى المتمسكة بسيادة الدولة ومؤسساتها. وقد كشف هذا النهج عن نفسه في اكثر من استحقاق ومناسبة: خلال اليومين الاسودين وطوال فترة حصار السراي ومصادرة وسط العاصمة وصولا الى جريمة الزيادين واجتياح بيروت ومناطق اخرى في 7 ايار تحت شعار "السلاح من اجل السلاح".
ومن هذه التحديات ايضا، عدم التردد في تعطيل واقفال المؤسسات واولها مؤسسة المجلس النيابي، وهذه وسيلة اخرى اعتمدتها القوى المعرقلة لمشروع قيام الدولة وتفعيل مؤسساتها، في حين كانت قوى الاكثرية الموالية لمشروع الدولة تصر على مواجهة هذا التحدي بمنطق الدولة والدستور والمؤسسات رغم اغتيال ثلاثة من نواب هذه الاكثرية وتعرض الباقين لحملات الترهيب والترويع طوال اكثر من سنة ونصف من دون توقف.
التهرب او اللامبالاة تجاه الاستحقاقات الدستورية، وهو سلوك يضعف الدولة ويصب في مصلحة المشاريع الموازية لها. وفي هذا السياق يدخل الاستحقاق الرئاسي الذي قدمت قوى الاكثرية الكثير من اجل انجازه، في حين كان اصحاب المشاريع الموازية يعطلون حصول هذا الاستحقاق بشتى الوسائل والطرق.
وثمة تحدٍ آخر يتمثل في تفعيل مؤسسات الدولة وتوفير الشروط والظروف الملائمة لتسيير عجلة الادارة، وهو الامر الذي يتطلب اجراء التشكيلات الادارية والقضائية واتمام تشكيل المجلس الدستوري واقرار الموازنة العامة. واذا كان من مصلحة القوى المتبنية لمشروع الدولة تسهيل معالجة هذه الملفات، فان القوى التي لا يقع مشروع الدولة بين اولوياتها، تبدو غير مستعجلة او غير متضررة من عرقلة هذه الملفات التي تلجأ الى استخدامها من حين لآخر بوجه الاكثرية بمنطق المعارضة.
المال العام وطرق التعامل معه ايضا، من المسائل التي تختلف مقاربتها بين القوى الحريصة على الدولة ومقوماتها الاقتصادية والمالية، والقوى التي لا تهتم سوى بمصالحها ونفوذ مؤسساتها الذاتية. فالحفاظ على المال العام وممتلكات الدولة والمواطنين لا يمكن عزله عن السياسات المعتمدة تجاه الدولة او السلوك العام الذي تنتهجه القوى المتقابلة. وبوسع اي مواطن ان يحدد وجهة هذه السياسات والسلوكيات على اساس معياري هو الاحداث التي حصلت في لبنان خلال السنوات الاربع الاخيرة: من مسلسل الاجرام والاغتيال الى التفرد بقضايا مصيرية كالظروف الكامنة وراء حرب تموز وما اعقبها من مسلسل التعطيل والحصار والاقفال، الى موجة الاجتياحات في 7 ايار وصولا الى سلوك قطع الطرق والتعدي على الناس في 14 شباط.
بناء على ما تقدم، يتبين بوضوح ان القوى الموالية لمشروع الدولة عملت ولا تزال تعمل على جمع ولملمة الوطن كمن يجمع او يلملم الجمر باصابعه. وها هو شريط الاحداث طوال اربع سنوات، يبيّن كيف كانت تدعو هذه القوى للتعقل والمواجهة بمنطق الدولة كلما تعرضت للعنف والقتل، في حين يظهر شريط الاحداث القوى الاخرى غير مكترثة بما يحمي او يجنب الدولة والمجتمع الخضات والاخطار التي تهدد السلم والاستقرار العام. واذا كان خيار الدولة، الاصعب والاقل شعبية في لحظات الغضب والتخلي، يجهد قادة الاكثرية في بذلهم الجهود الجبارة لتهدئة جماهيرهم وحضهم على الركون الى الدولة واجهزتها في احقاق الحق والعدالة، فان الخيار الآخر الموازي للدولة، الاسهل، والاكثر شعبية في لحظات الجنون واستثارة العصبيات، يذكي عند القوى الاخرى الدعوات الى عدم الثقة بالدولة واحترام مؤسساتها، وذلك من خلال "الثقافة" التي تبثها المنصات الاعلامية او الخطابات المرتجلة ذات النبرة العالية.