"القوات اللبنانية" والمرايا العربية..
جولة خليجية لرئيس الهيئة التنفيذية في القوات اللبنانية على رأس وفد نيابي قواتي، تستوقفك ملاحظات عدة على هذه الجولة التي بدأت في الكويت وامتدت إلى قطر، وقد سبقتها منذ فترة زيارة لمصر التقى فيها الدكتور جعجع الرئيس المصري محمد حسني مبارك.. وأول هذه الملاحظات أن القوات اللبنانية تقوم بزياراتها من ضمن حدود دور كونها كتلة برلمانية في المجلس النيابي اللبناني، فهي تؤكد من حيث شكل الوفد – الذي عقد اللقاءات الخليجية المتعددة – كونها جزءاً من الدولة اللبنانية، وعلى الشخصية السياسة التامة للقوات اللبنانية التي حاول كثيرون استدراجها إلى التباسات صورة الماضي اللبناني في أعوام الحرب الأهلية مع أن صور الآخرين سواها في هذه الحرب أفظع بكثير، فمنذ ما بعد العام 1982 كان عملياً الصيت للقوات والفعل لغيرها، أما ما قبل ذلك فلا بد للذاكرة اللبنانية من أن تعترف – على رغم كل شوائب الحرب وعنف مشاهدها ـ أن القوات اللبنانية منعت تحويل لبنان إلى وطن بديل للفلسطينيين وقاومت بشدة مشروع تهجير مسيحيي لبنان وتحويلهم إلى لاجئين في دول العالم..
وأول انطباع تتركه هذه الجولة في ذهن المتابع لها أن القوات تقدم نفسها وجهاً سياسياً لبنانياً برلمانياً، وأنها لا تفتح خطوط علاقات جانبية لها على حساب الدولة اللبنانية بل من ضمنها ومن قلب مشروع قيامها.. وبصدق نقول لولا أن زيارة وفد القوات اللبنانية بدأت في الكويت وباستقبال من أميرها، ولولا أنها انتهت في قطر وباستقبال من أميرها ووزير خارجيته،لانفتحت الأبواق وزعقت مشككة وراسمة ألف علامة استفهام حول هذه الزيارات، ولبدأت همروجة معتادة تنبش القبور والتواريخ القديمة..
واللافت الثاني في هذه الجولة الصورة التي استطاع سمير جعجع ترسيخها كسياسي يملك بجدارة ناصية قراره وزمام شخصيته وقبل هذا وذاك يملك تصوراً واضحاً ودقيقاً عن دور القوات ومستقبلها وكيفية تعاطيها مع محيطها اللبناني والدور المطلوب منها من داخله، ودور القوات وعلاقاتها مع محيطها العربي والتي منعت طويلاً ومورس عليها أعتى صور القمع لخنق صوتها وصورتها المعطلة هذه، فظل سمير جعجع الرجل الوحيد الذي حيل دونه ودون حقه في بلورة شخصيته كرجل سياسة في حقبة ما بعد الطائف، لأنه كان الصوت الوحيد الذي استعصى على الدخول طواعية في الموافقة على صفقة تكليف الملف اللبناني لسورية، ودفع منفرداً سعر مطالبته بتطبيق اتفاق الطائف الذي أصبح ذكره في ما بعد محرضاً على قتل مستذكره!!
واللافت الثالث في هذه الجولة الحضور المميز والخاص للنائب السيدة ستريدا جعجع، وبعيداً عن "تفاهة" نظرة اعتبار وجودها في هذا الوفد لأنها زوجة سمير جعجع، فكلاهما أبعد ما يكون عن تسويق نفسيهما على أنهما "كوبل"، فبشكل ما وآخر هما وجهان لمقاومة لبنانية عانت كثيراً، ووجود ستريدا كأبرز أعضاء الوفد شاهد حيّ على وجه لبنان الحضاري، حيث لنسائه مواقع متقدمة في المواقف السياسية والنضالية، فهي ليست مجرد زوجة سياسي ووجه جميل يحتل منصب نائب في المجلس النيابي، وقد أحسنت تمثيل منطقتها بشري في الكويت ولفت الأنظار إلى إهمية استقطاب الحضور العربي بمشاريعه في هذه المنطقة المهملة من لبنان ..
وفي حضور ستريدا جعجع بين أعضاء الوفد صورة واضحة لنضال القوات اللبنانية الذي وقع فجأة على عاتق هذه المرأة العروس الشابة التي وجدت نفسها وجهاً لوجه في صراع وحشي قادر على افتراسها ولم تخف.. فستريدا قد تكون المرأة الوحيدة التي دخلت حقل السياسة ليس من بوابة الجمعيات ولا النشاطات الإجتماعية كعادة "برستيج" زوجات المسؤولين، ولا من بوابة ملابس الحداد التي تورث منصباً سياسياً، بل دخلتها مرغمة وبصورة امرأة مقاومة مناضلة مدافعة عن القوات اللبنانية وساعية على مدى أحد عشر عاماً إلى إخراج رئيسها من غياهب السجن..
في الوقت المناسب، عبرت القوات اللبنانية بوابات العالم العربي، ولهذا الدخول انعكاساته الكثيرة على واقع المسيحيين اللبنانيين خصوصاً موارنة لبنان، بعدما اقتيدوا مرغمين إلى حيث لا يريدون من عباءة حمص إلى أحضان داريوس، (…) سمير جعجع أخذ على عاتقه مبادرة أخذ المسيحيين إلى حيث مكانهم الطبيعي، الحضن والمحيط العربي موقعهم المتقدم وفيه مصلحة لبنان والعرب ومسيحيي الشرق، وإن عانت هذه العلاقة من اهتزازات عبر التاريخ، فسيظل الموارنة حماة اللغة العربية في ظل السلطنة والسد المنيع في وجه حملات التتريك العاتية لطمس الهوية العربية.. ومن لبنان تحديداً ومن شماله الماروني ومن كسروان أيضاً، صد مسيحيو لبنان كل محاولات تتريك هويتنا العربية، في ما أصر سواهم بعد ذلك وبتنكر شديد للذات على طمس هوية لبنان "العربية" في استتباع "مذل" ومنقاد وأعمى البصيرة تحت عنوان "وهمي" لمصطلح سياسي "بدعة" اسمه "العروبة" توكيداً على طمس الهوية "العربية" للتمكن من دمج أعراق المغرب والمشرق العربي وأفريقيا تحت حكم ديكتاتورية "سياسية" واحدة ظاهر عنوانها العريض "الوحدة العربية"، تارة بـ"مصرنتها" وتارة بـ"سورنتها" وكان المقصود فقط تذويب الهوية اللبنانية.. جولة جاءت في وقتها، وبداية تستعيد جوهر حقيقة وطبيعة العلاقة بين لبنان المسيحي ومحيطه العربي، من دون استتباع ولا تبعية..