مراجعة في باريس مع سليمان لما تحقّق في العلاقات مع سوريا
ترتدي زيارة رئيس الجمهورية ميشال سليمان لباريس الاثنين المقبل اهمية خاصة ليس لانها "زيارة دولة" وهي ارفع درجات الزيارات بعد زيارتي "العمل" و"الرسمية"، وليس لانها الاولى من نوعها لرئيس دولة عربية منذ ان تسلم الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي مهماته الرئاسية في الاليزيه، وليس لان فرنسا هي "الام الحنون" للبنان بل لانها تتويج لمتابعة ساركوزي المباشرة ما يجري في لبنان من اجل مساعدته في حل مشاكله المتراكمة والمعقدة حيث يمكن القيام بذلك، ولانها تكريم لرئيسه التوافقي ورسالة الى عدد من الزعماء والاحزاب التي تعوق توجهاته الى اطلاق مسيرة التوافق من طريق الحوار الذي يترأس جلساته بغية اعادة البلاد الى عهدها السابق من الازدهار وتوفير فرص عمل للشباب المهاجر وعودة الادمغة المهاجرة الى الوطن الام.
وتندرج هذه الزيارة في غمرة المصالحات العربية – العربية وتحديدا السورية – السعودية بعدما كانت الخلافات بين دمشق والرياض تساهم احيانا كثيرة في تأزيمها، ويأمل سيد الاليزيه في ان تنعكس تنقية الاجواء بين الدول العربية المعنية بالوضع الداخلي اللبناني ايجابيات تفسح في المجال امام سليمان في تذليل المشاكل وتعزيز عمل المؤسسات الدستورية والتشريعية، بعيدا من لغة العنف والاعتصامات وتعطيل الحياة الطبيعية وفرص الاستثمار والتوظيف العربي والعالمي في شتى المجالات.
ولا يمكن انكار اهمية القمة الفرنسية – اللبنانية التي تتزامن مع تغيير اساسي في رئاسة الولايات المتحدة الاميركية ونهجها الرامي الى اعتماد لغة الحوار والديبلوماسية بدل العنف والفرص، وفتح حوار مع سوريا واطلاع فرنسا على نتائجه. والمهم مع الرئيس الديموقراطي باراك اوباما هو تضمين اولويات اجندته عملية السلام في الشرق الاوسط واستعداده لرعاية معاودة المفاوضات على المسارات الفلسطينية والسورية ولاحقا اللبنانية مع اسرائيل. وقد عين لهذا الغرض مندوبا اميركيا خاصا الى الشرق الاوسط هو جورج ميتشل الذي زار تل ابيب ورام الله وعواصم اخرى من بينها القاهرة وعمان وانقرة لاستكشاف نيات الاطراف والدول المعنية حيال المساعدة في اعتماد آلية مقبولة لاطلاق المفاوضات برعاية اميركية تطالب بها سوريا على مسارها مع اسرائيل.
وافادت مصادر ساهمت في اعداد جدول اعمال القمة الفرنسية – اللبنانية ان المحادثات ستتناول الاستعدادات الاميركية والفرنسية والروسية لاعادة تزخيم عملية السلام، وان واشنطن وموسكو وباريس تنتظر تشكيل الحكومة الاسرائيلية الجديدة وزيارة بنيامين نتنياهو لواشنطن من اجل الاتفاق معه على معاودة المفاوضات.
واوضحت ان موقف لبنان في باريس والقاضي بالتريث في عملية معاودة المفاوضات لن يتغير خلال قمة ساركوزي – سليمان على اساس انه لا يمكن ان يوافق على السلام مع اسرائيل لقاء انسحابها من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا والقسم الشمالي من بلدة الغجر اذ ان المطلوب من الدولة العبرية تنفيذ قرارات مجلس الامن ذات، الصلة، أي الانسحاب من تلك الاراضي اللبنانية المحتلة، وليس في وسع لبنان ان يكون مساره التفاوضي حاليا كما الحال على المسار السوري – الاسرائيلي على قاعدة قرار مجلس الامن 242 بل على قاعدة القرار 425 وما تلاه من قرارات.
واشارت الى ان المحادثات ستتركز على ملف العلاقات الديبلوماسية اللبنانية – السورية التي انشئت في 13 آب الماضي والمفروض ان تستكمل بتعيين سفير لسوريا في لبنان بعد افتتاح لبنان سفارته في دمشق الاسبوع المقبل، وذلك بالتزامن مع زيارة سليمان لباريس ويكون التمثيل الديبلوماسي الفعلي في كلا السفارتين ادنى من سفير كما اتفق عليه، علما ان لبنان عيّن سفيرا له هو ميشال الخوري الذي ينجز توديعاته في قبرص للالتحاق بمركز عمله الجديد في دمشق. وستتطرق القمة الى المواضيع الاخرى التي اتفق عليه في قمة دمشق اللبنانية – السورية وهي ترسيم الحدود انطلاقا من الحدود الشمالية، وتقول دمشق انها لم تتبلغ رسميا ان لجنة لبنانية تشكلت لهذا الغرض برئاسة الامين العام لوزارة الخارجية والمغتربين بالوكالة السفير وليم حبيب، وسترسل وزارة الخارجية الى الامين العام للمجلس الاعلى اللبناني – السوري نصري خوري المرسوم الذي صدر بتعيينها لتسليمه الى السلطات السورية المختصة.
ولفتت الى الملف الثالث الذي طرح خلال القمة اللبنانية – السورية ولم ينفذ وهو السلاح الفلسطيني في معسكري الناعمة وقوسايا وموافقة سوريا على المساعدة في انهائه. ونقل مصدر مطلع ان دمشق ابلغت وزير الدفاع الوطني الياس المر لدى زيارته سوريا ان السلطات المختصة تريد الآلية لجمع السلاح وحتى الان لم تتبلغها للتحرك من اجل المساعدة.
وذكرت ان لا مفاجآت متوقعة من ساركوزي الا اذا قرر تقديم سلاح جديد الى الجيش، وعدا ذلك فإن برنامج التسلح للبنان يسير بالشكل المتفق عليه في ضوء اتفاق التعاون العسكري الذي وقع بين البلدين خلال زيارة رئيس الوزراء فرنسوا فيون لبيروت في تشرين الثاني الماضي، ويتضمن مساعدات عسكرية من طريق تدريب قواته والقيام بدوريات مشتركة وتدريبات بحرية وارسال خبراء عسكريين الى بيروت. ووفقا لمصدر فرنسي، تعدّ موازنة التعاون العسكري الفرنسي للبنان ثالث اكبر موازنة تعاون لفرنسا بعد المغرب وتونس وزادت نسبتها حتى العام 2007 بنسبة 50 في المئة.
وافادت ان ساركوزي يولي عملية الانتخابات النيابية اللبنانية في حزيران المقبل اهمية خاصة، وانه قرر ايفاد مراقبين فرنسيين ليكونوا في عداد بعثة الاتحاد الاوروبي التي ستأتي الى لبنان يوم الانتخابات لاعداد تقرير عن مدى شفافيتها.
اما بالنسبة الى باقي الملفات الثنائية فسيتم عرضها في عناوينها الكبرى بين الوزراء المختصين في الوفد المرافق للرئيس ونظرائهم الفرنسيين. وسيشار الى التحضيرات الجارية في مجال التعاون الثقافي في مقدمها تنظيم معرض باريس بيروت حول ثقافتي البلدين ونقاط التلاقي بينهما مدى 150 عاما. وكذلك سيتناول المختصون اهمية تنظيم دورة الالعاب الفرنكوفونية السادسة في بيروت في 27 ايلول المقبل بمشاركة ثلاثة آلاف لاعب ولاعبة، وكذلك تنظيم معرض كتاب للدول الفرنكوفونية في بيروت.
وتتناول القمة ايضا آفاق التعاون الاقتصادي والمساعدات والاستثمار بين البلدين وفي شكل تفصيلي بين وزيري اقتصاد البلدين، اضافة الى امكانات تفعيل الاتفاقات الثنائية في قطاعات البنى التحتية والكهرباء والمياه.
زيارة سليمان لباريس هي ثالث زيارة دولة لرئيس لبناني بعد زيارات الرئيسين الياس الهراوي واميل لحود، وسينزل في قصر مارينييه للضيافة ويجتمع بأركان الدولة ويقيم له سفير لبنان لدى فرنسا بطرس عساكر استقبالاً ضخماً يلتقي خلاله الجالية اللبنانية لاطلاعها على أوضاع لبنان والاستماع الى آراء افرادها.