الثوابت المرجعية للمرشحين المسيحيين
المحامي جورج ابو صعب
عشية المهرجان الكبير الذي دعت اليه قوى 14 اذار في البيال لاعلان البرنامج الانتخابي الموحد لهذه القوى، تمهيدا لاعلان اللوائح الموحدة من ثم وصولا الى الانتخابات النيابية بلوائح موحدة في كل لبنان، نتطلع الى كل من ترشح او سوف يترشح من طرف المسيحيين في اية منطقة من لبنان وتحديدا في المناطق المسيحية كالمتن وكسروان وجبيل والكورة وزغرتا وزحله وسواها من مناطق لبنانية ذات طابع او غالبية مسيحية، لنعرف ما هي الاسس التي سوف يبنون عليها برنامجهم وحملتهم سواء أكانوا من 14 او 8 اذار.
فاذا كانت قوى 14 اذار سوف تعلن غدا برنامج مرشحيها فلا نرى حتى الساعة ما هو برنامج قوى 8 اذار، وخاصة من الطرف المسيحي في هذه القوى. ولكن ومهما كان برنامج مسيحيو الطرفين نرى ان اي برنامج انتخابي لمرشحين مسيحيين يجب ان يستند الى الثوابت والمرجعيات التالية:
1- الدستور اللبناني: فقد ان الاوان ان يتقيد السياسيون ورجال الحكم في لبنان بالنص الاسمى الذي اسمه الستور. فنحن اليوم احوج ما نكون الى جبهة دفاع عن الدستور اللبناني الذي انتهك ولا يزال يوميا في حياة المؤسسات والحريات والامن والشأن العام. فاي برنامج مسيحي يجب ان يبنى على الدستور وعلى تطبيق هذا الدستور وصولا بعد تطبيقه الى تعديله ان كان من حاجة للتعديل.
فالدستور ليس ترفا ولا اضافة ولا خيارا وطنيا بل هو اساس النظام السياسي في البلاد كما في كل بلاد العالم الديمقراطي المنظم، وبالتالي لا بد من اعادة الحياة الى الدستور والى تطبيقه واحترامه بدقة كاساس لبدء الاصلاح في الدولة والمؤسسات.
2- شرعة العمل السياسي: التي أعلنتها الكنيسة منذ اسبوعين، تلك الشرعة التي رسمت الاسس التي يبنى عليها التعاطي بالشأن العام بالاضافة الى رؤية متوازنة ومنطقية وعلمية لما يجب ان يكون لبنان عليه سياسيا ونظاما ومؤسسات وحريات عامة وتدعيم دولة القانون وحكم الديمقراطية. فهذه الشرعة وللاسف وكما توقعنا عند اول تعليق وتحليل لنا في مقالة اليوم التالي لاعلانها، لم يقرأها المسيحيون ولا سيما الزعماء المسيحيين وتحديدا من يدعي الدفاع عن المسيحيين واسترداد حقوقهم. فهذه الشرعة هي الطريق التي يجب على كل سياسي مسيحي اتباعها والسير في هديها اذا اراد فعلا حمل هموم المسيحيين ولواء الدفاع عن مصالحهم.
فحتى الساعة لم نر اي تبني علني لمرشح مسيحي معلن لهذه الشرعة على اهميتها وخطورتها، الامر الذي يصيب اي برنامج انتخابي لمرشح مسيحي بالنقص وعدم الجدية. لان هذه الشرعة هي الاداة التي من خلالها يستطيع كل من يدعي حماية المسيحيين والدفاع عن حقوقهم تجسيد تعاليم الكنيسة ومعتقداته المسيحية والايمانية في عمله السياسي العام.
3- اتفاق الطائف: في كل ما لم ينفذ منه بعد، ولا سيما اعادة النظر في التقسيمات الادارية واللامركزية الادارية والاصلاح الاداري والاصلاح التعليمي والتربوي وصولا الى الغاء الطائفية السياسية وانشاء مجلس الشيوخ وحل جميع الميليشيات اللبنانية وغير اللبنانية وتسليم اسلحتها الى الدولة اللبنانية الوحيدة صاحبة الحق الشرعي والمشروع بتملك السلاح وحيازته في سبيل الدفاع عن الصالح العام وعن لبنان. فما يثير العجب والاستغراب ان نسمع اليوم اناسا مثل العماد عون لا يرى من الطائف الا ما يناسبه لجهة صلاحيات رئيس الجمهورية ويطالب بتعديله فقط لهذه الجهة ويطعن ويتجاهل ان اتفاق الطائف كل لا يتجزأ ينبغي تطبيقه بكامله ليتثنى لنا الحكم عليه اذا كان ام لا بحاجة الى تعديل جذري او شكلي. علما ان العماد عون وفي تناقض دائم مع نفسه يدعي حماية المسيحيين ومصالح وحقوق المسيحيين وهو في الوقت عينه رأس الحربة في الهجوم على بكركي وسيدها والتمرد على توجهاتها الوطنية الرصينة وعلى ثوابت الكنيسة المسيحية المشرقية التاريخية.
فاتفاق الطائف لم ينفذ بعد كي يعدل … وقد نفذ منه فقط الشق الاصلاحي الدستوري الذي بات اليوم دستور الجمهورية الثالثة، اما سائر البنود فلا تزال دون تطبيق الى الان وهنا تكمن أهمية ان يتضمن اي برنامج انتخابي مسيحي العمل على تطبيق اتفاق الطائف كاملا.
4- الارشاد الرسولي: فقداسة الحبر الاعظم الراحل الكبير يوحنا بولس الثاني خطط لنا المسيرة والدرب: فلبنان رسالة حضارية عالمية، فأين المسيحيين من هذاالارشاد الامس واليوم؟ ولماذا تناساه السياسيون والزعماء المسيحيين؟
فالارشاد الرسولي مدماك اساسي للوجود المسيحي في هذا الشرق ولدوره التاريخي، ومن اللائق والحري على كل مرشح مسيحي ان يدخل في صلب خطابه السياسي وبرنامجه الانتخابي مبادئ وتوجهات ونظرة علمية الى الدور المسيحي في لبنان والمنطقة للعمل على اساسه في الشأن العام وفي سبيل قيام الدولة القوية والعادلة والمستنيرة بهداية تعاليم الكنيسة وقيم الايمان الحق.
5- العمل على تحقيق الحياد الايجابي للبنان: فليس المطلوب لبنان مجرد من اي دور او تأثير على احداث ومصير المنطقة والمحيط ولا في المقابل نستطيع تحمل بعد اليوم ان يبقى لبنان الساحة العربية الوحيدة التي تصارع بالنيابة وعن كل العرب اسرائيل ويدفع وحده ثمن المواجهة والممانعة والرفض.
فالحياد الذي يجب ان ينادي به المسيحيون اليوم هو الحياد المبني على نظرة الالتزام بالقضايا العربية الكبرى كقضية فلسطين والعراق وسواها من قضايا مشتركة كالامن القومي العربي والسوق العربية المشتركة. ولبنان باستطاعته استثمار علاقاته الطيبة ومكانته بين اشقائه العرب للعب اكبر وافضل الادوار البناءة والهادفة. اما في حال الصراعات والاختلافات بين العرب فان لبنان يلتزم الحياد بين المحاور المتنافسة او المتصارعة ويحاول في الوقت نفسه تقريب وجهات النظر وايجاد القواسم المشتركة بين الفرقاء، فالحياد الايجابي للمسيحيين يضمن من جهة رفع يد سوريا عن لبنان ومن جهة أخرى ابعاد لبنان عن تجاذب المحاور وصراعاتها التي تأتي دائما على حساب لبنان كما اثبتت التجارب.
فلا يجب ان نخاف من التكلم بصراحة عن ما يريده المسيحيون، لاننا لم نعد نقبل بان يؤدي التكاذب التقليدي بين اللبنانيين كل 15 او 20 عاما الى تفجير حروب وثورات تحت شعار الغبن او الطغيان او الاستئثار او التوافقية الزائفة.
هذا ابرز ما نراه من مرجعيات يجب على اي برنامج انتخابي لمرشحين مسيحيين لانتخابات حزيران 2009 ان يعتمدها ويسير وفق مبادئها اذا اراد فعلا ان يكون صوت المسيحيين الصادق والحقيقي في الندوة البرلمانية بعيدا عن الغوغائية السياسية او الانتخابية.