حلم الدولة الحديثة في ذكرى 14 آذار يتخطى المناطق والحزبية ليصب في بحر الوطن
مشهد جديد قدمته قوى الرابع عشر من آذار يوم أمس في "البيال" في وسط بيروت. فالتحضيرات المتكاملة من الجداريات الحمراء التي ترفع شعار قوى 14 آذار والموسيقى الهادئة والعلم اللبناني الكبير المركّب من صور للانتفاضة وناسها منذ العام 2005 وصولاً إلى التظاهرة الأخيرة في 14 شباط 2009 وآلاف الكراسي التي لم تتسع للقادمين من المناطق اللبنانية كافة. هذه التحضيرات إضافة إلى الحضور المتكون من حلقات مناطقية وسياسية تدور في فلك الحركة الاستقلالية كانا أمس صورة جديدة في التحضير لمعركة انتخابات السابع من حزيران المقبل.
بعض القادمين من بر الياس في البقاع وقفوا أمام العلم الكبير يشاهدون الصور المأخوذة قبل أعوام، ويشيرون إلى صورتين تحويان مجموعة من أبناء بلدتهم وأبناء بلدات قريبة، ورأوا كذلك صور وجوه تعرفوا إليها في ساحة الشهداء خلال الانتفاضة وبعدها وكذلك يوم رحل "الوصي" بجيشه وعسسه ومخابراته من لبنان.
قبل الثالثة بعد الظهر كانت القاعة امتلأت بالمشاركين في هذا اليوم التاريخي، عائلات الشهداء جلست جنباً إلى جنب مقابل صور أحبتها، كانت تضع شعار القبضة التي تحمل غصن زيتون. القادمون من البقاع كانوا حاضرين بهتافاتهم التي لا تتوقف، وكذلك القادمون من صيدا والجنوب، فيما أهل الشمال افترشوا مدرجاً كاملاً بالقرب من مدرج القادمين من جبيل وكسروان.
وصول السياسيين إلى القاعة رفع من وتيرة التصفيق لتدخل مي شدياق فيطغى الترحيب بها على كل شيء. إنها مي، يقول رجل، كم هي قوية هذه المرأة. يدخل سياسيو 14 آذار فيتحرك الاعلاميون الذين توافدوا من كل الوسائل الاعلامية بانتظار الموقف السياسي لقوى 14 آذار.
شبان يصفقون على الطريقة القواتية، "الحكيم" يتقدم باتجاه رئيس كتلة "المستقبل" النائب سعد الحريري ورئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط ورئيس حزب "الكتائب" الرئيس أمين الجميل. انها الرابعة إلا خمس دقائق، قليل من الوقت قبل أن ينطلق النشيد الوطني اللبناني بصوت جمهور 14 آذار ودقيقة صمت على أرواح كل شهداء لبنان. في المشهد تحضر صور الشهداء جميعاً والجرحى، وكل من قاسى من الاحتلالات الاسرائيلية والسورية والحروب الأهلية وكذلك شهداء انتفاضة الاستقلال. انه يوم جديد دفاعاً عن لبنان يحتاج إلى الكثير من التنازلات من أجل الحفاظ على الوطن.
نساء لبنان ورجاله في القاعة الممتلئة، يمر أمامهم فيلم الانتفاضة والحقيقة والمحكمة الدولية، الزميل علي حمادة يقدم للقاء بصوته مذكراً بحلم 14 آذار، ومعركة السلم والديموقراطية والحفاظ على لبنان، كأن حمادة بصوته يصرّ على تأكيد الانتصار الذي تأخر، انتصار المحكمة الدولية وانتصار القادمين من وجع محاولات القتل والتعدي.
الفيلم يستعرض الكثير من الصور سريعاً، ويؤكد المعلّق بصوته على الحقيقة والعدالة، الشهيد الرئيس رفيق الحريري يبتسم لمن تحملوا الكثير وهم يدافعون عن حقه بالعدالة، الشهداء يمرون في صورهم، هنا سمير قصير وباسل فليحان وهناك جورج حاوي وبيار الجميل ووليد عيدو، صورة جبران تويني كأنه جالس بين الناس هنا في "البيال"، وكذلك هناك في المقابل يجلس وسام عيد بانتظار فتح "كنز" ملف التحقيقات الذي قام به. شهداء الجيش وانتصار معركة "نهر البارد" والجنود اللبنانيون يلوحون بالعلم، واللواء فرانسوا الحاج يشد على أياديهم. انطوان غانم كأنه لم يستشهد، يتأكد ان الحضور جاؤوا من كل المناطق اللبنانية.
الفيلم لا يتوقف في دقائقه القليلة عن تذكيرنا نحن الذين بقينا أحياء بأن لا ننسى ان هناك طريقاً شاقاً وصعباً يفترض أن نسيره سوياً. يتقدم شعار المحكمة الخاصة بلبنان إلى واجهة الصور فيرتفع التصفيق عالياً. كما للوزير الياس المر الناجي من عبوات القتل ومروان حمادة ومي شدياق.
امرأة تجلس في المقاعد المخصصة لأهالي الشهداء، تبكي وتجمع دموعها في يدها لتسقي وروداً حملتها في انتظار شهيد رحل قبل أعوام. تظهر صورة 14 لبنانياً يؤكدون انتماءهم للبنان بمناطقه كافة. "أنا من 14 آذار لأن لبنان يجب أن ينتصر" تقول امرأة من الأشرفية أو من بكفيا. الصور المتكررة للفيلم القصير تدل على تنوع قوى 14 آذار بجمهور حزبي وغير حزبي، جمهور ينتظر الكثير من سياسييه، فهو قدّم أكثر مما طلب منه ولذلك يريد بعضاً مما أعطى، أي يريد انتصاراً كبيراً في السابع من حزيران.
تتقدم امرأة إلى المسرح، تقول "أنا جان دارك وليس مهماً من أين أكون من لبنان"، يصفق الجمهور للمرأة التي قال البعض عنها انها من كسروان بسبب لهجتها وقوة صوتها وحضورها الطاغي، تتحدث ببساطة أي انسان لا يشغله من السياسة إلا الحفاظ على الوطن والانتصار للعدالة، تتحدث عن مشاركاتها في التظاهرات ووعدها بدوام النزول إلى ساحة الشهداء كلما كانت هناك ذكرى. تؤكد على وحدة 14 آذار مهما كانت السبل صعبة وتدعو إلى التحضير للانتخابات جيداً.
الشبان الذين شاركوا في الانتفاضة وفي مخيمها يتحركون بين الكراسي يلقون التحية، أسما اندراوس تسير من زاوية إلى أخرى لتتأكد أن لا مشكلات لوجستية في المكان، كعادتها كما في الانتفاضة حين كانت لا تترك المخيم قبل أن تتأكد من ان فريق عملها أنجز واجباته التي تطوع لأجل تنفيذها.
خريطة لبنان التي ظهرت فيها المناطق والأقضية تحولت إلى علم لبناني تتوسطه الأرزة، كانت تحضيراً للدخول في كلام السياسة. المنسق العام لقوى 14 آذار فارس سعيد، يتقدم إلى المنبر ويدعو في كلمته المؤلفة من 14 نقطة إلى حماية لبنان من إسرائيل، والحفاظ على السلطة للدولة فقط، والانحياز الكامل للطائف كدستور للشعب اللبناني، وإعلان الديموقراطية نظاماً لا يمكن المسّ به. ودعا كذلك إلى منع التوطين والدفاع عن المحكمة الدولية وحماية الاقتصاد اللبناني في ظل الأزمة الصعبة في العالم، والعمل من أجل تحقيق العدالة الاجتماعية، واللامركزية الإدارية والعمل لتأمين حقوق المرأة والاقتراع للمغتربين وخفض سن الاقتراع وعودة المهجرين وانقاذ البيئة.
كانت النقاط التي تحدث عنها سعيد حلم يوم 14 آذار 2005 في ساحة الشهداء، صار للبنانيين بلد مستقل يريدون من سياسييهم ومرشحيهم الذين يدخلون الندوة البرلمانية أن يحققوا هذا الحلم. انه حلم الدولة المنيعة والحديثة والعصرية في سبيل بناء مستقبل أفضل للوطن وناسه وأجياله التي تريد ان تسمع صوتاً جديداً غير أصوات الصراعات والحروب الاقليمية على أرضهم.
عمر حرقوص