قراءة في بيان 14 آذار
كان على البيان الصادر عن المؤتمر الثاني لقوى 14 آذار الذي انعقد بعد ظهر نهار أمس في البيال، كان عليه ان يكون انتخابياً صرفاً، فيدعو اللبنانيين الى الاقتراع بكثافة من أجل إيصال مرشحي هذه القوى الى الندوة البرلمانية ويعطيها الاكثرية النيابية التي تخولها الحكم من دون تعطيل من داخل المؤسسات ولا من خارجها. ولم يكن على هذا المؤتمر ان يخرج بوثيقة او بيانات مشبعة بلغة سياسية ممجوجة تتراوح بين "كلام بلا طائل وجدوى" وبين "تهييج" للجمهور بناء على مجموعة من العبارات واللفظيات الغريزية التي تزيدهم احتقاناً وتقوقعاً وكرهاً للآخر وأصراراً على نفيه وعدم الاعتراف به. كان على البيان الانتخابي ـ السياسي الصادر عن المؤتمر الثاني لقوى 14 آذار ان يكون كما كان عليه او كما أخرج البارحة في مؤتمر البيال: انتخابياً بالدرجة الاولى ومناقضا للخطاب الانتخابي المعتاد في الآن عينه. فقد جرت العادة في لبنان منذ عودة الانتخابات النيابية اليه بعد غياب قسري امتد من العام 1972 حتى العام 1992، جرت العادة على ان يدفع المرشح، سواء كان فرداً او حزباً، جمهوره ومؤيديه الى كره الجمهور الاخر حتى يتمكن من استقطابهم وتكريس عصبيتهم وتقوية شوكتهم وتحصنهم كتلة واحدة متراصة. كانت هذه الطريقة المتبعة والتي ما زال يتبعها فرقاء سياسيون في لبنان. الخطاب الانتخابي الذي صدر البارحة لم يتبع هذه الطريقة البتة، بل هو توجه الى جميع اللبنانيين على إفتراض انهم على إختلاف انتماءاتهم السياسية والطائفية سينتخبون هذا البرنامج الجامع والذي يغلّب مصلحة لبنان واللبنانيين على كل ما عداها. وفي الاساس فإن البرنامج لا يستقطب جمهوراً قدر ما يتوجه الى جمهور ناجز ومكتمل أسس لحركة 14 آذار في العام 2005 وأكد إصراره التأسيسي هذا في 14 شباط 2009. والمؤتمر الثاني لقوى 14 آذار والبرنامج الانتخابي الصادر عنه يهدف الى الاستفادة من هذا الاصرار وتحويله الى نصر في الانتخابات النيابية المقبلة. كما جرى بعد تظاهرة 14 من آذار 2005 ولكن هذه المرة من دون "التحالف الرباعي".
في مصيرية الانتخابات
أما لماذا كان على هذا البرنامج او المؤتمر ان يكونا انتخابيين، وقد كانا كذلك، فلأن الانتخابات القادمة مصيرية على خلاف ما يمكن لأي كان أن يقول. مصير لبنان ومواطنيه مرتبط ارتباطا تاما بالانتخابات القادمة لانها ستحدد الصورة التي سيكون عليها لبنان القادم. من لا يعتقد بأن الانتخابات القادمة مصيرية هم من يظنون ان الثلث المعطل في الحكومة أمر واقع لا محالة او انه بات من العرف السياسي في تشكيل الحكومات. والثلث المعطل بهذا المعنى هو تعطيل لفكرة الاكثرية التي تقوم عليها الديموقراطيات، هذا بغض النظر عن الفريق الذي يحوزها هنا في لبنان. والبيان الانتخابي الذي قرأه رئيس الامانة العامة لقوى 14 آذار النائب السابق فارس سعيد كان واضحا لهذه الجهة بالقول ان الانتخابات النيابية ستفرز أكثرية نيابية لتحكم ولتنفذ برنامجها السياسي والانتخابي وبأن قوى 14 آذار ستعود الى القواعد والاسس الدستورية في مجال إدارة النظام سواء كانت في الحكم ام في المعارضة.
اذاً، كان على البيان الصادر عن المؤتمر الثاني لقوى 14 آذار ان يضع اللبنانيين بصورة مصيرية الانتخابات النيابية القادمة وبوضعهم أمام خيارين لا ثالث لهما على المستوى السياسي اللبناني. الخياران كما عددهما البيان: "وطن مهدَّد باستمرار، أو وطن آمن ونهائي لجميع أبنائه. شعب تتقاذفه الأهواء الداخلية والخارجية، أو شعب موحَّد حول مصيره وقضاياه الكبرى. دولة مؤجَّلة ومستباحة، أو دولة حاضرة ومنيعة الجانب، دولة للجميع وفوق الجميع. بين إرتداد نحو مسالك الحروب الأهلية، أو إرادة صلبة في الحفاظ على معنى العيش المشترك. بين لبنان التابع، أو لبنان السيد الحر المستقل العربي. بين لبنان الجريمة بلا عقاب، أو لبنان الحقيقة والعدالة. بين انحدار نحو هاوية التخلف، أو الاستقرار وفرص العمل والازدهار".
لم يكن أمام الـ "14 آذاريين" الا ان يضعوا اللبنانيين امام هذه الثنائية من الخيارات. والجمهور اللبناني بأغلبه ان لم يكن جميعه يعرف تماما انه عليه الاختيار بين هذا او ذاك، ويعرف ان إقتراعه يحدد مصير لبنان في السابع من حزيران المقبل. لذا يصح القول ان هذه الانتخابات هي بمثابة استفتاء على مستقبل لبنان وعلى مشروع بناء الدولة. ويمكن القول أيضا ان نتائج الانتخابات تلك لن يكون تأثيرها محصور بأوضاع اللبنانيين خلال السنوات الأربع القادمة، بل ستحدد نوعية مستقبلكهم ونمط حياتهم لعقود قادمة.
في السياسة الداخلية
السياسة الداخلية لقوى 14 آذار تتمحور حول القرار 1701 الصادر عن مجلس الامن، وبحسب الدستور اللبناني فإن القرارات الدولية والمعاهدات والاتفاقيات الثنائية هي ملزمة للبنان وتتفوق على الدستور والقوانين المحلية اللبنانية. والارتباط بالقرار 1701 هو ارتباط بفكرة فصل لبنان عن الدور الذي يرسم له ويطلب منه تأديته منذ عقد الدول العربية الهدنات مع الكيان الصهيوني بعد الهزائم العسكرية. أي استخدامه سياسيا وعسكريا وامنيا في النزاعات الاقليمية سواء تلك التي تقع بين الدول العربية او بينها وبين الدول الاقليمية مع أسرائيل او مع أيران. وبالطبع فإن القرار 1701 الذي يؤمن السيادة للبنان عبر بسط سلطة مؤسساته الشرعية على كافة الاراضي اللبنانية ونزع كل سلاح يتنافى مع هيبة الدولة، هو كما ذكر البيان ليس قراراً "حزبيا" أو "فئوياً" فرضته قوى الرابع عشر من آذار. لان قوى الثامن من أذار وافقت عليه أيضا حين وقعت عليه مرتين: الأولى عام 2006 لوقف العدوان الاسرائيلي الوحشي، والثانية عام 2008 في بيان الحكومة الحالية.
وتنفيذ القرار 1701 يؤسس بدوره لتأمين مدخل لتجسيد تطلعات اللبنانيين وطموحاتهم. وفي هذه المرحلة بيّن البيان برنامج قوى الرابع من آذار الانتخابي والسياسي معا. وبيّن ان هذه القوى تعيد تمسكها بأمرين، الاول هو إعادة الاعتبار للبرامج السياسية التي على أساسها يختار اللبنانيون توجههم السياسي والفريق السياسي الذي يريدونه ان يجسد طموحاتهم، هذا من جهة، ومن جهة ثانية أعاد الاعتبار لوحدة فريق 14 آذار مع الحفاظ على تنوع الفرقاء الذين يشكلونه، وحدته انتخابيا في هذه المرحلة القادمة، ومن ثم وحدته حول خيارات سياسية تضمن خيارا سياسيا طويل الامد للبنانيين. والتطلعات هذه حين يتم تعدادها مباشرة، فإنها تحمل في طياتها ردا على الخطاب المعاكس الذي يطرحه فريق8 آذار وافرق السياسية الدائرة في فلكه وفي فلك نظام البعث السوري في الوقت نفسه. التطلعات هذه يمكن إختصارها بما يلي: حماية لبنان من الاعتداءات الاسرائيلية واسترجاع مزارع شبعا، وذلك عبر تنفيذ القرار الدولي 1701 بجميع مندرجاته. وتنفيذ القرار الدولي يتم بالشكل الدبلوماسي وعبر الضغط على مجلس الامن وليس بالضرورة عبر المقاومة المسلحة التي قد تدفع لبنان ثمنا أغلى من أرضه المسترجعة.
ومن هذه التطلعات فرض سلطة الدولة على جميع أراضيها، فلا يترك لفريق من اللبنانيين حرية التصرف والتحكم بمناطق محرمة على السلطات الشرعية. ووقف التدخل السوري في الشؤون اللبنانية، واستكمال تبادل العلاقات الديبلوماسية وضبط الحدود بين البلدين وترسيمها وإنهاء قضية المعتقلين اللبنانيين في السجون السورية، وإلغاء القواعد العسكرية الموجودة خارج المخيمات والتابعة عملياً للإمرة السورية، واعادة النظر في الاتفاقيات الجائرة التي وقعت اثناء فترة الوصاية السورية على لبنان.
ثم يحدد فريق 14 آذار موقفه من الخلاف الفلسطيني ـ الفلسطيني اولاً بإلتزام دعم نضال الشعب الفلسطيني وثانياً بالحفاظ على وحدته بقيادة منظمة التحرير من أجل إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس، في إطار "حل الدولتين" والسلام العادل والشامل استناداً إلى "مبادرة السلام العربية"، وذلك في مواجهة الخطاب الذي يحاول سحب تمثيل الفلسطينيين من منظمة التحرير التي دفع اللبنانيون والفلسطينيون أثمانا غالية من أجل دفع المجتمع الدولي للاعتراف بها ممثلاً شرعياً للفلسطينيين وناطقاً رسمياً بإسمهم في المحافل الدولية. وفي الموضوع الفلسطيني يخرج فريق 14 آذار موضوع "توطين الفلسطينيين" من البازار السياسي الذي يستغله هذا الفريق او ذاك لاتهام هذا الفريق بالعمل على توطين الفلسطينيين وخصوصاً من قبل الاطراف المسيحيية في محاول لبث الرعب في نفوس المسيحيين من الافرقاء المسيحيين في 14 آذار. فأعلنت هذه القوى عن الالتزام الصارم بمنع توطين الفلسطينيين في لبنان.
وبالطبع لا بد ان يضم البيان الانتخابي تأكيدات عمومية تتفرع الى التفاصيل من مثل إستكمال بناء الدولة ومؤسساتها، تضمن مساواة المواطنين الأفراد في الحقوق والواجبات بمعزل عن انتماءاتهم الدينية، واقرار قانون حديث للانتخاب وتخفيض سن الاقتراع الى 18 سنة، واصلاح أجهزة الدولة واداراتها وتحريرها من الصراعات الطائفية والزبائنية السياسية والفساد، وذلك في اطار من اللامركزية الادارية الموسعة.
المحكمة الدولية والمرأة والازمة المعيشية
الإلتزام بمتطلبات بلوغ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان غايتها في كشف الحقيقة وإقامة العدالة. هذا الالتزام يأتي بعد إنطلاق أعمال المحكمة الدولية الخاصة بلبنان والتي باتت أعمالها مستقلة عن إرادة أي كيان سياسي او قضائي آخر، وفي هذه الحالة لم يعد من دور للدولة اللبنانية او لفريق 14 آذار سوى الالتزام بما تطلبه المحكمة، فزمن المطالبة بالمحكمة قد ولى. وتحقيق العدالة عبر المحكمة لا بد يحصّن سيادة لبنان ويضعُ حداً لنهج الإغتيالات السياسية والإفلات من العقاب.
ثم ينتقل البيان الانتخابي السياسي الى المشكلات اللبنانية العالقة والتي بات من الملح حلحلتها ومنها إغلاق ملف المهجرين نهائيا بعدما مضى عل تهجيرهم من منازلهم وقراهم وبلداتهم ما يزيد على العقود الثلاث. ومن القضايا الملحة ما يتعلق بالمديونية العامة التي يستغلها سياسيو الفريق الاخر وأبواق النظام السوري في لبنان من أجل مهاجمة سياسات الرئيس الشهيد رفيق الحريري الاقتصادية ومن بعده الرئيس فؤاد السنيورة، بإتهامهما بمراكمة المديونية العامة ووضع لبنان حتى وزر الديون. لذا يجدد فريق 14 آذار التزام سياسات اقتصادية ومالية ونقدية ذات ابعاد تنموية على امتداد المناطق اللبنانية، وتوسيع نطاق الخدمات الصحية والتربوية والاجتماعية والاغاثية بما يتناسب مع تلبية الحاجات والحقوق الأساسية للمواطنين.
ثم يأتي دور المرأة عبر تمكينها من المشاركة الفاعلة في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وفي صنع القرار، وتمكينها قانونيا. والالتزام بقضية الانتشار اللبناني في العالم لتوفير شبكة أمان خارجية دعماً لاستقلال لبنان واستقراره وازدهاره، مع تأمين حق الاقتراع الذي يجب ان يصبح متاحا لكل مغترب في مكان اقامته، والعمل على تسهيل استعادة المتحدرين من اصل لبناني لجنسيتهم اللبنانية. ووضع حد لتدهور البيئة وتشجيع استخدام مصادر الطاقة المتجددة والزراعة البيولوجية، وحماية الثروة المائية ونوعية المياه، وتشجيع السياحة التي تحترم التوازن البيئي، والحفاظ على الثروة الحرجية والغطاء الاخضر، ومعالجة المخلفات والنفايات الصلبة والسائلة والغازية.
هكذا يبدو البيان الانتخابي والسياسي لقوى 14 آذار قد طال كل النواحي السياسية والحياتية والاجتماعية التي تتعلق بالمواطنين اللبنانيين. ولكن أهم ما في هذه الخيارات ان قوى 14 آذار المتنوعة والمختلفة تتعهد بخوض المعركة الانتخابية المقبلة بالتكافل والتضامن على أساسها. وان التحالف الانتخابي لن يكون الا مع شخصيات او مرشحين يشاركون في هذه القيم والاهداف ويطلبون تحقيقها.
يختتم البيان السياسي انتخابيا كما بدأ بلا مواربة او كثير "تفلسف". فيعتبر السابع من حزيران 2009 محطة مفصلية في مسار تاريخي بدأ في الرابع عشر من آذار 2005. مسارٍ شاقٍ بذل فيه اللبنانيون أرواحاً عزيزة ودماً غالياً ومالا حلالاً، لكنه مسارٌ مفعمٌ بنسيم الحرية وعنفوان السيادة المستعادة والقرار الوطني المستقل.
فلنجعل السابع من حزيران المقبل موعداً للعبور نحو لبنان الدولة: لبنان إتفاق الطائف. لبنان تنفيذ القرار 1701. لبنان مبادرة السلام العربية. فهل يكون لنا في ذاك النهار ما يمكننا من تحقيق هذا البرنامج المتكامل؟
فيديل سبيتي