14 آذار
لا يكتم "الآخرون" غيظهم من ما جرى في 14 آذار يا اخوان.. ولا يكتم في المقابل، جمهور ذلك اليوم العظيم فرحته البريئة البيضاء الدافئة في عزّ الشتاء، إزاء المشهد المألوف إياه للقبضات المرفوعة والسواعد المرصوصة تحمي شعارات بحجم لبنان. تَعِد بالبنيان وتضرب عرض الحيطان بكل شبهة خذلان في السابع الآتي من حزيران.
سيل عرمرم من التصريحات اندلق أمس من مختلف جهات أهل 8 آذار. وجلّه أو معظمه، كان ينضح بكم من النرفزة والغيظ والغضب ورشق الكلام من دون الفذلكات المعهودة والمعروفة. ووصل الأمر بأحد الأبواق النافرة الى حد قول الشيء ونقيضه تماماً، والتبشير بمقولات أميركية ـ إسرائيلية تحبذ فوز "المعارضة" في الانتخابات النيابية المقبلة باعتبار ان ذلك أفضل للقرار 1701!
اللافت أكثر من ذلك المضمون التعيس، هو ان التأتأة كانت صنواًَ للارتباك في ذلك الكلام، ما يدل في واقعه من جديد، الى غربة فعلية لأصحابه عن البلد وأهله ونبضه وروحه، وإقامة دائمة وغير مهضومة في جغرافية فكرية تضعضعت حدودها وانكسرت مداميكها منذ السادس والعشرين من شهر نيسان عام 2005، ولا مجال مفتوحاً أو مرتقباً أو متوقعاً لإعادة ترسيمها من جديد.
لم يغادر أهل الوصاية وروّاد الممانعة عن بعد، تلك المساحة من الأداء اللفظي المغطاة بعشب سام، والنابتة دوماً، تزويراً للحقائق، وتشويهاً للمواقف، وشتماً للآخر، وتفنيصاً موصوفاً لا يصدقه إلا من أحكم الإغلاق على أبواب عقله وبلع المفتاح مفترضاً انه يغيظ الأغيار… أداء لا يريد ان يتغير أو يُغّير في مصطلحاته ومحطاته الكلامية رغم انها لم تعطه إلا عكس ما يرتجيه ويتوخاه، ورغم انها تنزل على اللبنانيين الأحرار كزبد البحر وغبار الصيف، لا يعلق منه شيئاً، ولا يفعل فيهم إلا دفعهم الى إعادة تمسكهم برداء الايمان بوطنهم لبنان أولاً وثانياً وثالثاً، وحتى آخر العدّ وآخر الدنيا.
لم يكن مشهد أهل 14 آذار في 14 آذار أكثر اغاظة لهؤلاء من ذلك الذي بدا في 14 شباط الماضي، ولم يكن الكلام والبرنامج الذي أعلن بالأمس إلا تأكيد جديد لبيان فصيح سبق وان تُليت مفرداته على وقع دماء شهداء الأرز… ما تغير شيء. وما استجد طارئ على مضمون الشهادة وترجمة مفاعيلها الكتابية. هي كما هي، كما كانت وكما ستبقى. مفردات ـ مسلّمات ـ مبادئ وُضعت لتنفذ، وكتبت لتُقرأ وألقيت لتُعمم أكثر فأكثر، وهي التي صارت محفوظة عن ظهر قلب. لم تغيّر في سياقها ممارسات النار والحديد، والتفجير والاغتيال، والتخوين والتفخيت، والتحشيد والاجتياح… ولا البلطجة الإعلامية المفتوحة من دون حياء.
لم يكن مفاجئاً يوم 14 آذار لأحد وتحديداً لأهل الممانعة عن بُعد. فهم قبلنا وأكثر منا يعرفون ان هذا المدّ لا يتراخى ولا يتناقص ولا يتراجع، بل هو ذاهب في 7 حزيران الى تأكيد المؤكد: علمٌ مرفوع على سارية، لا ينزل عنها، وهي لا تنكسر، مهما عظمت التورية وكبر التمويه، ومهما علا الضجيج وكثر الغبار وتكثف الزبد.