تحديات أمام برنامج 14 آذار!
يمكن اعتبار البرنامج السياسي ــــ الانتخابي الذي أطلقته أول أمس قوى 14 آذار بمثابة خطوة متقدمة على طريق الممارسة الديمقراطية الصحيحة، التي تُراعي فيها القيادات السياسية والحزبية مطالب قواعدها الجماهيرية السياسية، وتُلامس حاجاتها الاجتماعية، ثم التعهّد بالعمل من أجل تحقيق المطالب ومعالجة الحاجات، عبر العبور إلى الدولة وتحريك مؤسساتها الدستورية والإدارية، بعد الفوز بالانتخابات·
لا أحد يدّعي التكهن بقدرة قوى 14 آذار على تحقيق كل بنود هذا البرنامج الطموح، إذا لم يكن فوزها في الانتخابات المقبلة كاسحاً، ويؤمّن أكثرية نيابية تناهز نسبة الثلثين، تُعيد اللعبة الديمقراطية إلى أصولها الدستورية، وتحسم الجدل القائم حول حق الأكثرية في الحكم، ودور الأقلية في المعارضة·
ومع التسليم بالطابع التوافقي للنظام السياسي اللبناني الذي كرّسه اتفاق الطائف، فإن تجربة الحكومة الحالية التوافقية على أساس إعطاء الثلث المعطل للأقلية، كما نص اتفاق الدوحة، لم تكن مشجعة، بل كانت على جانب كبير من الفشل، الذي أفشل معه انطلاقة العهد التوافقي، وأدى إلى تعطيل آلية اتخاذ القرارات المهمة والضرورية لإعادة تحريك إدارات الدولة، ولتسهيل قيام لبنان بالتزاماته الخارجية، خاصة في ما يعود إلى الاصلاحات التي تعهدت فيها الحكومة أمام مؤتمر باريس – 3، حيث ما زالت الدول المانحة تحجب أكثر من ثمانية مليارات دولار بانتظار إقرار البرامج الاصلاحية المجمدة في مجلس النواب!·
* * *
وإذا كان التوافق، وفق ما نص عليه اتفاق الطائف، يعني تحقيق الشراكة في الحكم، فإن هذه الشراكة يمكن تحقيقها وفق الموازين السياسية والنيابية التي ستسفر عنها الانتخابات المقبلة، من دون التقيّد ببدعة الثلث المعطل التي طالبت بها الأقلية الحالية، واعتصمت من أجلها في ساحات العاصمة، والتي كرّسها اتفاق الدوحة كمخرج لتسوية مؤقتة تحول دون انزلاق الوطن المعذب مرّة أخرى إلى أتون الحرب الأهلية، بعد أحداث أيار الأسود في بيروت والجبل·
والتقييم السلبي لتجربة الحكومة الحالية، يعزّز واقعية كلام رئيس كتلة نواب المستقبل سعد الحريري عن الاستعداد لتشكيل حكومة وحدة وطنية من دون الثلث المعطل، بغض النظر عن الطرف الفائز بالأكثرية العتيدة·
ويمكن القول ان مصداقية طرح الحريري الجديد تنبع من الالتزام بالميثاق الوطني من جهة، ومن الحرص على الشراكة الوطنية في بناء الدولة، من جهة ثانية، ولكن مع الحفاظ على حق الأكثرية، أياً كانت هذه الأكثرية في إدارة دفة الحكم، وتحمّل مسؤوليتها السياسية والوطنية تجاه المؤسسات الدستورية، كما وتجاه الأكثرية الشعبية التي تكون قد صوّتت لمرشحي الأكثرية الفائزة في الانتخابات المقبلة على أساس برنامجها السياسي·
* * *
ولكن··· ماذا لو تكررت تجربة انتخابات 2005، ولم يتمكن أي من الفريقين، 14 أو 8 آذار، من الفوز بالأكثرية الساحقة، وبقي الفرق بين الأكثرية والأقلية بضعة مقاعد لا يزيد عددها عن أصابع اليدين؟·
الكل يدرك أن البلد لا يتحمل التمديد لحالة المراوحة والتعطيل، التي تتسم بها هذه المرحلة الانتقالية، الفاصلة بين اتفاق الدوحة وانتخاب الرئيس التوافقي وموعد الانتخابات النيابية، لأن الاستحقاقات الإدارية والاجتماعية والمالية ستكون داهمة، وحجم المديونية العامة في ازدياد مطرد، ورياح الأزمة المالية العالمية تهدد حالة الاستقرار النقدي الهش في لبنان·
الواقع أن مثل هذه المخاوف من استمرار حالة المراوحة والتعطيل الراهنة، تعزز مشروعية التفكير والسعي لإنشاء <كتلة وسطية> بين 14 و8 آذار، تضم النواب المستقلين عن التكتلين الكبيرين، وتشكّل رافعة بيد رئيس الجمهورية لتجنيب الدولة ومؤسساتها من الوقوع مجدداً في أفخاخ الانقسامات العامودية الراهنة، والتي تأكد الجميع من أخطارها في صراعات السنتين الأخيرتين، والتي أوقعت البلد في حالة من الشلل القاتل!·
* * *
طبعاً، لس الثلث المعطّل هو التحدي الوحيد لبرنامج 14 آذار السياسي ـــ الانتخابي، بل إن التحدي الأكبر يكمن في قدرة قيادات 14 آذار على الحفاظ على تماسكهم ووحدة مواقفهم··· ووحدة لوائحهم في الانتخابات المقبلة، وهو التحدي ذاته الذي يواجه فريق 8 آذار أيضاً، بعد إصرار التيار العوني على <قشقشة> معظم المقاعد المسيحية في دوائر الثنائي الشيعي!·
والسجالات غير المباشرة الدائرة بين أقطاب هذا الفريق، أو قيادات ذلك التكتل، حول عدد من المقاعد في بعض الدوائر، تثير مخاوف المعنيين في 14 و?8 آذار، من أن يؤدي استمرارها وعدم حسم التوافق حولها في الوقت المناسب إلى ظهور ثغرات في المعركة الانتخابية تمكن <الخصم> من تحقيق بعض المكاسب·
ولا بد من مصارحة قيادات ثورة الأرز بالهواجس التي تقلق قواعدهم الشعبية التي لم تعد تكفيها صورة <الصف الواحد> أمام عدسات الاعلام، وتطالب بأن تترجم <وحدة الصف> إلى <وحدة اللائحة>، والإسراع في حسم التباينات حول الترشيحات الحزبية في هذه الدائرة أو تلك·
يبدو أن ثمة أطرافاً في فريق 8 آذار غير متفائلة في الفوز بالأكثرية العتيدة، غير أن هذه الحسابات عند المعارضة لا تُبرّر لقوى الأكثرية التهاون في الإعداد للمعركة الانتخابية المفصلية، والارتفاع فوق مستوى الحسابات الحزبية والشخصية الضيّقة إلى مستوى <الأهداف والقيم> التي قامت من أجلها ثورة الأرز، والتي من أجلها سقط الشهداء، وفي مقدمتهم الرئيس رفيق الحريري·