#adsense

14 آذار… بعد الرابعة

حجم الخط

14 آذار… بعد الرابعة

ولدت قوى 14 آذار قبل اربع سنوات بقوة دفع استثنائية وقسرية غير مسبوقة في تاريخ تشكل التجمعات والجبهات السياسية في لبنان، تسبب باشعالها اغتيال الرئيس رفيق الحريري. لكن قوة الدفع تلك لم تكن معزولة بطبيعة الحال عن معظم المكونات السياسية التي تحظى بامتدادات شعبية عريقة ومتأصلة في الصراع مع القوة الاقليمية صاحبة الباع الطويل والمديد وذات النفوذ الساحق في لبنان منذ انفجار الفتيل الاول لحروبه عام 1975، اي سوريا. بذلك استحضرت قوى 14 آذار الى حد بعيد تجربة "الجبهة اللبنانية" التي كانت تجمع الاحزاب والقوى العملاقة المسيحية مع فارق استثنائي بدوره هو انضمام اقوى كتلة سنية واوسعها تمثيلاً الى هذا التحالف العريض، الذي سرعان ما قطف قصب السبق في الانتخابات التي لم يفصل بين موعدها وتاريخ 14 آذار 2005 سوى نحو تسعة اسابيع.

لم يمر زمن طويل للتذكير بهذه الحقيقة، او لإنعاش الذاكرة الجماعية اللبنانية بها، خصوصاً ان مفاعيل ولادة هذه القوى في ذكراها الرابعة، ومثلها قوى 8 آذار من منقلب معاكس لا تزال تثقل بقوة على الواقع اللبناني. ولكن يبدو بوضوح ان الجنوح عبر اليوميات السياسية والامنية والاقتصادية غالباً ما يغرق الاصل بالفرع والاساس بالهامش. ومفاد ذلك ان قوى 14 آذار تقبل على انتخابات 7 حزيران 2009 ليس بتحدي الحفاظ على اكثريتها فحسب بل بإثبات ان حركة 14 آذار هي اهم وأكبر هدف على الاطلاق، بل هي اعلى شأناً وأهمية من القوى والرموز الذين يحملون اسمها. فليس من العدالة طبعاً المفاضلة بين لبناني وآخر او جمهور لبناني وآخر خصوصاً في ضوء معاناة سحقت الجميع وساوت بين الجميع. لكن حركة 14 آذار بما تعنيه بعد استجابة فئات واسعة من اللبنانيين اكثر من ثماني مرات على امتداد اربع سنوات للتعبير المتكرر عن اولوية المسألة السيادية في ساحات بيروت والاندماج في هذه الانتفاضة، تحكم "حصارها" على القوى الرافعة هذه التسمية بما يقدم اولوية النهج والخط والمشروع السياسي المبدئي على تكتيكات السياسة ومناوراتها وزواريبها.

اغلب الظن ان البرنامج السياسي والانتخابي الذي اعلنته هذه القوى اول من امس يبدو مهجوساً بهذا التحدي لان المبدئيات الكبرى فيه غلبت على الجانب "الشعبوي"، فقوى 14 آذار لم تأت من حركة اجتماعية ولا كانت نتيجة لحظة احتدام للصراعات ذات الطابع الاقتصادي او التنموي او الاجتماعي، الصراع الكبير مع قوة الوصاية هيمن بقوة ساحقة على تجميع مكونات هذه الجبهة، مثلما اقام في مواجهتها جبهة 8 آذار.

وهذا الصراع وان تبدلت صفحات جذرية كثيرة فيه، لكن المتبقي من صحفاته وفصوله، خصوصاً في حمأة المتغيرات التي تلوح في المحيط الاقرب والابعد، تبقي عناوينه الاصلية في عز الاحتدام.

لذلك تحققت لقوى 14 آذار في برنامجها علامة صدقية مع ذاتها وبإزاء سائر الآخرين، بمن فيهم القوى المنافسة، اذ أعلت شأن المبدئيات الكبرى في هذا البرنامج ولو على حساب نقطة مغامرة جداً تتصل بالأبعاد الاصلاحية للنظام والاقتصاد والقضايا الاجتماعية التي يمكن ان تشكل نقاط مساءلة لهذه القوى.

بطبيعة الحال كان يمكن قوى 8 آذار ان تفيد من هذه النقطة للضرب على خاصرة خصمها. غير ان هذه القوى لا تمتلك الصدقية الواقعية للتفوق في المجال الاصلاحي ما دامت ترفع لواء المعارضة وهي تفتقر افتقاراً شديداً الى اي مسلك او منهج اصلاحي فعلي، فضلاً عن انها منعت بأنماط التعطيل اي اصلاح ممكن وحالت دون امكانات المحاسبة الدستورية الطبيعية لقوى الاكثرية.

ووسط هذه المعادلة يمكن استخلاص حقيقة اساسية ثابتة ان الانتخابات المقبلة ستكون امتداداً لصراع سياسي لا مكان فيه لفسحة اصلاحية بعد، فقوى 14 آذار لم تلج الى هاجس الاصلاح تماما بعد، لانها كما يفصح برنامجها وكما تثبت الوقائع، ترى ان ذروة الاصلاح هي في احياء الطائف وحمايته اولاً وتطبيقه ومنع تقويضه بعد تجويفه من مضامينه بالممارسات التعطيلية. ومع ان ذلك لا يعفيها تماماً من الالتفات الى تطوير النظام ورفع مستوى الهاجس الاجتماعي لديها، فإن اقبالها على الانتخابات ببرنامج تغلب عليه العناوين السيادية والديموقراطية والدستورية يمنحها صدقية الوفاء للحركة الشعبية التي استولدتها وآزرتها شرط ان تثبت قدرتها على الارتفاع بالسياسة الى مستوى هذه الحركة على ابواب الاستحقاق الحاسم.

المصدر:
النهار

خبر عاجل