.. بل موعد الخروج من مستنقع "الساحة" و "المقاومة" و "الممانعة" !
سيكون على المراقب المحايد، بينما "السجال" الانتخابي على أشده، أن يتوقع نقاشا لبنانيا مختلفا في ضوء برنامج 14 آذار عنوانه "7 حزيران ـ موعد العبور الى الدولة" . اذ يفترض، أقله نظريا، أن يكون ما بعد هذا البرنامج مختلفا عما قبله.. ان لم يكن لجهة رؤية برامج سياسية شاملة في المقابل ـ اذا كان هناك من برامج ـ فأقله لجعل النقاش يخرج من الزاوية التي يتم حشره فيها: الاكتفاء باطلاق الشائعات والاتهامات فضلا عن التحديات.
يزيد من هذا الافتراض، فوق ذلك كله، مناخ "التهدئة" المحلي الذي بدا في الأيام القليلة الماضية متزامنا مع القمة العربية الرباعية في الرياض، وتوقع البعض أن تكون لهذه القمة انعكاسات "ايجابية" مباشرة على صعيد المنطقة وتاليا على صعيد الوضع اللبناني الداخلي.
ذلك أن ما يهم اللبنانيين، كل اللبنانيين، ليس اجراء انتخابات نزيهة وتمثيلية لمكوناته السياسية والاجتماعية والطائفية فقط، وانما قبل ذلك تلمس معالم الطريق التي ينبغي أن ترسمها لاعادة بناء الدولة الحرة والسيدة من ناحية وانهاء كل ما عمل على تدميرها ثم على منع قيامها من ناحية أخرى. والحال، أنه عندما وصفت هذه الانتخابات بأنها "مفصلية" أو "مصيرية" أو حتى "تاريخية"، فلم يكن الهدف من ذلك سوى تأكيد هذا المعنى بالذات: اقفال "الساحة" اللبنانية نهائيا، واقامة الدولة الجامعة التي تعرف ما تريد تماما فضلا عن أن تملك من القوة والمنعة ما تنفذ به ارادتها هذه.
وبحسب برنامج قوى 14 آذار، فانجاز هذا الهدف يقوم على ثلاث قواعد ـ مرجعيات يفترض أن لا خلاف لبنانيا (معلنا على الأقل) بشأنها: اتفاق الطائف الذي أصبح دستورا للبلاد منذ العام 1989، ومبادرة السلام العربية التي انطلقت من بيروت العام 2002 ثم أعيد التأكيد عليها في الرياض العام 2007، وقرار مجلس الأمن الدولي الرقم 1701 الذي أنهى الحرب الاسرائيلية التدميرية على لبنان العام 2006 .
ويبقى السؤال الذي يُطْرَح بالمناسبة: هل من برنامج مقابل لتحقيق الهدف اياه (اعادة بناء الدولة)، أم أن البرنامج المقابل مختلف لأن الهدف في حد ذاته مختلف؟!.
لا حديث سياسيا، لدى قوى 8 آذار، الا حديث "التغيير" و "الاصلاح" و "مكافحة الفساد" عندما يتعلق الموضوع باتفاق الطائف. ولا كلام الا على "المقاومة" و "الممانعة" عندما يأتي ذكر مبادرة السلام العربية. ولا خطاب الا خطاب الانتهاكات الاسرائيلية ومزارع شبعا وتلال كفرشوبا والجزء الشمالي من بلدة الغجر عندما يكون الحديث عن القرار 1701. وبين هذا وذاك، لا تغيب الا في ما ندر مقولة "المشاركة" التي لا تعني في محتواها الحقيقي، وفي واقعها العملي كما تمارس في الحكومة الحالية، سوى "الثلث المعطل" بما هو تعطيل للدولة، وجودا في الأساس، قبل أن يكون تعطيلا للحكم والحكومة.
لقد بات واضحا، منذ ما قبل اتفاق الدوحة ثم عشية الانتخابات الآن، أن قوى 8 آذار لا تفعل الا أنها تلجأ الى الهروب من البرنامج المطلوب عبر الاختباء وراء قضايا مطلبية ـ اجتماعية ومعيشية وصحية وتربوية ـ ثم انتقاد الحكومة على تقصيرها … متناسية عمدا أربعة أعوام كاملة من التعطيل، تارة بنار الاغتيالات والتفجيرات، وتارة بالاستقالة من الحكومة واقفال مجلس النواب، وتارة بالاعتصام المديد في قلب العاصمة، ودائما العدوان الاسرائيلي المدمر للبلد كله في العام 2006 والذي لا تزال آثاره بادية في كل مكان.
لماذا هذا الهروب ؟!.
لأن هذه القوى لا تملك في الواقع أي برنامج لاعادة بناء الدولة، وتاليا أي برنامج سياسي فعلي يمكن أن تقدمه للبنانيين في هذه الانتخابات، بعد أن اتفقت "مصالحها" الداخلية الضيقة والاقليمية الواسعة طيلة الأعوام الأربعة الماضية على العمل بكل قواها (والمسلحة منها، في بعض الأحيان) على منع قيام الدولة .. بما في ذلك منع انتخاب رمز هذه الدولة: رئيس الجمهورية.
… ولأن هذه القوى، حتى تحت شعار "التهدئة" الذي أعقب خطيئتها الكبرى في السابع من أيار العام 2008، لم تقدم الى "الرئيس التوافقي" (وفق تعبيرها الأثير !) ولا الى "حكومة الوحدة الوطنية" (مطلبها التاريخي !) الا كل ما حال حتى الآن دون انطلاق العهد فضلا عن وضع القواعد البيروقراطية والشكلية للدولة: اقرار الموازنة العامة، واصدار التعيينات والتشكيلات الملحة في أجهزتها الادارية.
… ولأن هذه القوى، حتى وهي تمتدح المناخ الاقليمي والدولي الجديد حول لبنان ومستقبله، انما تخوض الانتخابات لمجرد احداث انقلاب في التركيبة الحالية للمجلس، بحيث تجعل الأكثرية أقلية والأقلية أكثرية، مع ما يعنيه ذلك من ابقاء كل شيء كما كان في خلال الأعوام الماضية: لا دولة الا ما يطلق عليه اسم "المقاومة" في بعض الأحيان واسم "الممانعة" في كل حين.
ما يفترضه اللبنانيون، وقد يكون البعض يحتاجون اليه بقوة، هو أن يبدأ نقاش سياسي فعلي وجاد عشية الانتخابات حول أية صورة للبنان، وللدولة فيه، في مرحلة ما بعد اجراء الانتخابات في السابع من حزيران المقبل.
وأول ما يقتضيه هذا النقاش خروج أي من فريق من فرقاء 8 آذار، أو قيادته الفعلية، ببرنامج محدد لبناء الدولة في مواجهة برنامج قوى 14 آذار المحدد الذي حمل عنوان "7 حزيران ـ موعد العبور الى الدولة".
… والا، فأية انتخابات هي هذه الانتخابات التشريعية التي يدعى اللبنانيون، في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ بلدهم وتاريخ المنطقة كلها، الى اختيار ممثليهم فيها وارسالهم الى المجلس النيابي؟!.
بل وأكثر من ذلك، فاذا لم تكن الأكثرية النيابية التي تريد قوى 8 آذار الحصول عليها ـ أو لا يهمها الحصول عليها كما ألمح الأمين العام لـ"حزب الله" السيد حسن نصر الله في خطابه بمناسبة عيد المولد النبوي الشريف ـ لتلعب دورا تغييرا في لبنان وفي وضعه الحالي، فما الداعي للانتخابات أصلا (وليس الانتخابات المقبلة فقط) … ولماذا هذا الحد من "التوتير" السياسي والاعلامي والأمني بشأنها ؟!.
من نافل القول أن "البرنامج" الوحيد لدى قوى 8 آذار هو المحافظة على مستنقع "الساحة" و "المقاومة" و"الممانعة" كما هو من دون تغيير، ان لم يكن عبر "المماحكات" المعروفة والتي باتت ممجوجة لقلب الأكثرية والأقلية في المجلس النيابي فعبر التمسك بسلاحه (عفوا سلاح "المشاركة") لابقاء البلد يدور في فراغ وحول نفسه كما هو الآن.
لذلك، فما يفعله اللبنانيون وهم يتوجهون الى صناديق الاقتراع في 7 حزيران المقبل هو قبل كل شيء ممارسة فعل التمرد على هذا الواقع المفروض، على طريق الخروج النهائي من هذا المستنقع.