#adsense

المحكمة وتداعياتها

حجم الخط

المحكمة وتداعياتها

مع انطلاقة المحكمة الدولية الخاصة بلبنان، انطوى فصل من فصول الاستبداد والظلم والاضطهاد، وتقطعت أوصال الديكتاتورية البلهاء، وبزغ فجر الحرية، وبدأ يوم جديد، يوم فصل فيه الماضي عن المستقبل، يوم لطالما انتظره اللبنانيون بفارغ الصبر، عسى أن يضع نهاية لمسلسل القتل والاجرام، ويقفل فصلاً مظلماً من تاريخ لبنان.

مع بدء المحكمة خرج لبنان من زواريب الفتنة، وصار بلداً مسؤولاً عن تحديد خياراته دونما ضغط أو تهويل أو إكراه، حيث تشكل المحكمة منعطفاً تاريخياً، سوف يسلكه لبنان وسوف تشهد السنوات القليلة المقبلة جملة من المتغيرات السياسية والأمنية والاقتصادية التي ستكون مرهونة بنتائج المحكمة الدولية، في قضية اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه، والجرائم المنظمة اللاحقة، ولن نغوص في تفاصيل وحيثيات المحكمة وأصول المحاكمات، بل نترك هذا الأمر للحقوقيين، وإنما سنتطرق إلى الجانب الآخر الأكثر إيجابية، والذي أحدثه ويحدثه قرار بدء المحكمة، حيث يعد اعلانها انتصاراً للبنان وللعدالة وللإرادة الشعبية اللبنانية.

الخيال بات واقعاً، وأصبح للبنان محكمة دولية خاصة به، تعنى أساساً استناداً إلى المعاهدة الموقعة بين لبنان والأمم المتحدة، بتقديم منفذي جريمة اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري ورفاقه إلى العدالة، بل جاءت لتؤكد مجموعة من الثوابت المتعلقة بلبنان وأهمها:

1 ـ ساهمت المحكمة الدولية بدخول لبنان دائرة الاهتمام الدولي.
2 ـ كرست استقلال لبنان من أية تبعية كانت عربية أو أجنبية.
3 ـ رسخت مبدأ العدالة الوطنية والدولية.
4 ـ أعادت للبنانيين إيمانهم بوطنهم، كما أعادت للعالم ثقته بلبنان.
5 ـ وضعت حداً لمسلسل الاجرام والإرهاب والجريمة المنظمة.
6 ـ أعادت المحكمة للبنان دوره الريادي في المنطقة العربية والشرق الأوسط.
7 ـ حمت الكيانات الصغيرة وحافظت على استقلالها السياسي بقوة القانون الدولي والاعتراف الدولي بها.
8 ـ رسخت الرؤية السياسية المبنية على قاعدة المشاركة الوطنية.
9 ـ أعادت جزءاً من المصداقية إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي لجهة المحاسبة في الجرائم المنظمة والدولية.
10 ـ صاغت مبدأ الوحدة الوطنية والعيش المشترك.
11 ـ كشفت زيف وتضليل محور الممانعة، والعبث في أمن لبنان والمنطقة.

12 ـ شلت أدوار المعسكر التابع لمحور الممانعة في وضع العصي في دواليب إقرار المحكمة الدولية ذات الطابع الدولي، وقطعت الطريق على محاولة إخلاء سبيل الضباط الأربعة الذين كانوا في المواقع الأمنية الدقيقة والحساسة في البلاد، والذين أوقفوا بموجب القرار 1595 الصادر عن مجلس الأمن الدولي بسبب خشيتهم العدالة، فمَن يخشى العدالة يخشى وصول الضباط الأربعة إلى لاهاي والمثول أمام المحكمة.

13 ـ المحكمة الدولية الخاصة بلبنان فضحت القصور الظاهر لدى محور الممانعة، وعلى رأسه النظام السوري في فهم ما يدور في العالم والمنطقة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أن الأوضاع اللبنانية منذ استشهاد الرئيس رفيق الحريري، شهدت اهتزازات سياسية وأمنية، أدت إلى تعطيل عمل المؤسسات الرسمية بطريقة معمّدة، حيث أحدثت انقسامات غير مسبوقة في لبنان، وأدت إلى عرقلة جلسات مجلس النواب وتعطيل دوره، كي لا يقر على إنشاء المحكمة الدولية، ووضع العراقيل في انجازات الحكومة من خلال استقالة وزراء الطائفة الشيعية، لإيجاد حجة بأن الحكومة لم تمثل بكل شرائح وطوائف المجتمع اللبناني كما نص الدستور، وفي هذه الحال تعد حكومة غير شرعية من وجهة نظر المعارضة، وبالتالي قراراتها غير ملزمة لعدم شرعيتها، التي سعت بكل طاقاتها وجهودها لعرقلة إقرار المحكمة، الأمر الذي حمل مجلس الأمن بوضع المحكمة تحت البند السابع. من هنا يمكننا القول ان اعلان بدء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان في مطلع آذار الحالي، له تداعياته على مستقبل الوضع السياسي في لبنان، ويمكن وصف هذا اليوم بأنه تاريخي وفاصل ومختلف بالنسبة للبنانيين على اختلاف طوائفهم ومشاربهم وتوجهاتهم السياسية والعقائدية، لقد تخطى موضوع المحكمة الدولية تهديد الأمن والسلم الدوليين، بعدما وضعت آليات التحقيق وإنشاء المحكمة من أجل الكشف عن الحقيقة، وسيأتي يوم تتوضح فيه الامور بعد أن تغيرت قواعد اللعبة السياسية في لبنان والمنطقة.

أربع سنوات مضت على اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري، أظهرت ان العالم لا يزال على تمسكه بكشف الحقيقة والاقتصاص من المجرمين، ولكن الموضوع ليس موضوع تصفية حسابات شخصية لهذا الطرف أو ذاك، بقدر ما هو مرتبط بالعدالة، وليس هناك مَن يريد الثأر، بل هناك مَن يريد معرفة الحقيقة ووقف نزف الدم ومسلسل الاغتيالات في لبنان.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل