الانتخابات النيابية بين مشروعين
السابع من حزيران يوم لا كالأيام العادية. إنه يوم ستدق فيه ساعة الحقيقة، حقيقة لبنان الأصالة، لبنان الرسالة والقيم، لبنان السيادة والاستقلال. إنه يوم كشف الحقيقة، والرد الأخير على هذا الجموح والجنوح والتعالي. في وقت لم يعد فيه السؤال مطلوباً بإلحاج كما كان. فقبيل المحكمة الدولية، كان السؤال من سيتقدم على من في الانتخابات النيابية، ومن سيكون الرابح والآمر الناهي أخيراً.
هذه هي اللغة السائدة سابقاً من سيفوز فريق 14آذار أم 8 آذار؟ في الحقيقة، الوقت لم يعد يتسع لمثل هذه اللغة إلا عند السذج والبسطاء. فإذا كان هنالك من سؤال، فأحرى بنا أن نسأل: هل الانتخابات النيابية ستجري في الوقت المقرر لها، أم ستعطل على طراز ما سبق من تعطيل؟ كتعطيل عمل المجلس النيابي، ومحاولة تعطيل مجلس الوزراء، وسائر المؤسسات الدستورية والمدنية.
فكلما أصبحنا قاب قوسين أو أدنى من الانتخابات النيابية تبين لنا أن الفريق الآخر يزداد أقلية، لا سيما في الوسط المسيحي، وربما هذا الفريق هو على علم بذلك، لا بل عالم بما ستسفر عنه الانتخابات وبأرجحية 14 آذار. وربما في هذه الحالة، يقوم الفريق الآخر بتعطيل الانتخابات، وعدم إجرائها في الوقت المحدد لها. وما يشير الى ذلك هذه الأخفاقات، وهذه الهزائم على مستوى معظم القطاعات، السياسية والنقابية والجامعية. وفي مقدمة من ألحقت بهم الهزائم أحد فرقاء المعارضة المفاخر بحماية فريقه من الفوضى والاضطرابات والحاقن للدماء، وهو الذي هدرها في زمن ليس ببعيد.
وإذا ما نظرنا الى التقارير والدراسات التي قام بها المختصون، فإننا نرى أن النتائج محسومة لصالح 14 آذار، وأن الأكثرية ستتعاظم أسهمها، وستكون أكثر فاعلية وثقلاً بحيث لا يكون هنالك ثلث معطل أو ضامن أو ما شابه ذلك في وقت كان فيه الثلث المعطل بدعة من البدع. من هنا قد يمهد لعرقلة الانتخابات في وقت وراء الأكمة ما وراءها، سيما وأن هنالك محاولات تلوح في الأفق للقيام ربما بإجراءات على طراز ما سبق قادت الى ما قادت اليه من توترات ترافقت مع إثارة نعرات طائفية ومذهبية. ولا نقصد هنا "حزب الله" وإنما اطرافاً وفرقاء لا يمتون بصلة الى المقاومة، والى نهجها وخطها ومسيرتها، ولا الى فلسطين الصابرة. هؤلاء هم الذين عاثوا خراباً ودماراً وروعوا أطفال بيروت وبثوا الرعب في مسنيها وعجزتها. فما حصل في 14 شباط في ذكرى اغتيال الرئيس الشهيد رفيق الحريري شاهد على الحشد وعلى هذه الجموع التي أمّت ساحة الحرية، والتي أدهشتهم وتجاوزت حدود العقل والشجاعة، فكان ما كان من حشودات لم يشهد مثيلها لبنان تاريخياً، وكان أن ترجم ذلك قوة متعاظمة لثورة الأرز، لا سيما في الوسط المسيحي، وتدني في قوة 8 آذار المسيحية. فكانت هذه الحشود أشبه باستفتاء قبل موعد الاستفتاء الحقيقي، وكان أن كل مغامراتهم وانقلاباتهم سقطت الى غير رجعة ولم تسعفهم في حال من الأحوال. وكان أن نياتهم ردت اليهم، مما أفقدهم الكثير من شعبيتهم، وانضمام الكثير منهم الى مشروع الدولة والى ثوابت 14 آذار: الى التمسك باتفاق الطائف والالتزام باتفاق الدوحة، ومقررات الحوار الوطني، والى حماية الدستور ومؤسسات الدولة، والى التمسك بسياسة الحياد الايجابي، وتحييد لبنان عن الصراعات الداخلية والخارجية، وبالتالي عدم الارتهان، وزجه في محاور اقليمية وجعله مؤئلاً للمساومات والتسويات في جعبة الآخرين.
فلبنان ملك للبنان لا غير. فليس بمقدور أحد التطاول على لبنان الحضارة والثقافة والتنوع والانفتاح، الانفتاح على الجميع، لا سيما على عالمه العربي وعلى كل ما من شأنه أن يخدم مصالحه القومية. وعلى ذلك، نعود فنذكر بأن ما جرى في 14 شباط في ساحة الحرية هو في صلب ثوابت 14 آذار لا سيما لجهة رفع شعار "لبنان أولاً" بوجه الذين يريدون لبنان على طريقتهم، والذين يشككون بديموقراطيته وصيغته الفريدة وعيشه المشترك. فكان عمر التشكيك عمر الأزمة اللبنانية. وفي هذا المضمار، نأمل أن تنضم جهود المقاومة التي حققت إنجازاً ما بعده إنجاز، أن تنضم الى جهود المقاومة المدنية، لتصب هذه الجهود في المشروع الوطني العام، ولتكون القرارات المصيرية موحدة لا انفراد ولا استفراد فيها، وليكن قرار التحرير موحداً. باختصار، ليكن القرار، قرار السلم والحرب بيد الدولة ومن مهمات الدولة، فلا يَشُكن أحد بإنجازات المقاومة التحريرية، ولكن بالمقابل لتضم كل هذه الإنجازات، إنجاز التحرير وانجاز الاستقلال 2005 لِتُوحد كل الجهود لنمرر الانتخابات في 7 حزيران، وليستلم القرارات من يربح ديموقراطياً، لا أن يستخدم أسلوب المواربة والمقاطعة في حال نجاح أي فريق بطريقة ديموقراطية. وفي كل الأحوال حتى ولو كان النصر حليف الآخر، نأمل أن لا نكون ورقة في يد الآخرين، كما نأمل أن لا نكون رهينة تتلاعب بنا رياح خارجية تفاوض على حسابنا وعلى حساب إرادتنا وثوابتنا، أو وقوداً لمصالح اقليمية قد لا تبقي ولا تذر. فإذا كانت الديموقراطية في لبنان، بكل أبعادها ومعانيها لا تلائم الفريق الآخر، فلإنها، ليست تهدد المشروع الآخر فقط بل لأنها لا تنسجم والمشروع الآخر، على كل الأصعدة والمستويات لا سيما لجهة هذا الارتهان للخارج، فتؤخذ الإنجازات على غير وجه حق فتستفيد منها قوى خارجية، في وقت يعلنون فيه أن كل هذه الإنجازات وهذه الانتصارات أخذت عنوة بالقوة من أميركا في لبنان وفلسطين. وبهذا تسعى هذه القوى لشرذمة لبنان وتدمير الديموقراطية، روح لبنان وقلبه، وبالتالي إقامة دولتين متناقضتين، فيظهر لبنان بمظهر العاجز، وكأن يُعرف له اسم ولا يعرف له وجود ويصبح ولاية مركزيتها في مكان ما في الخارج. وبغض النظر عما تقوم به الأقلية (وأخص منها بالذات المسيحية) من أعمال لا تليق في بعض الأحيان بلبنان كقيمة ورسالة تشويهاً لصورة لبنان التعددي المنفتح والرابض على ساحل هذا الأبيض المتوسط الضارب في بطون الأرض والناشر الحرف في جميع أصقاع الدنيا، فيما الفريق المؤمن بقيام الدولة والشرعية يعمل جاهداً لبناء الدولة. ولو لم يكن هنالك فريق داعم للدولة لتساقطت ولكانت البدائل ربما تقسيمية وتبعية وارتهان. فمن حسن الحظ أن هنالك فريقاً ديموقراطياً مؤمناً بصيغته الفريدة، مناضلاً سلمياً وعلى طريقته. فالأكثرية لتكون أكثرية يجب أن تكون متنوعة وملونة، وقد تجسد ذلك في قوى 14 آذار الفاتحة ذراعيها للجميع والحاضنة للجميع، والمدافعة عن وجود لبنان بهذا الأداء اليومي المقاوم بوجه كل من يريد سوءاً لهذا البلد في وقت تريد فئة أن تحل محل فئة بدعم اقليمي، مستندة الى المماطلة أحياناً، والى هذا الماضي المقيت في شموليته وظلمته، وعلى ذلك، لا يمكن ان يكون هنالك ديموقراطية، ما دام هنالك شريحة لا تعتمد على قواها الذاتية وعلى جماهيرها، جماهير الوطن بأكمله، ولا يمكن أن تقر بنتائج الانتخابات إلا إذا كانت لصالحها، ومن وقت لآخر نسمع كلاماً يحمل في طياته نغمة تطول الفريق الآخر من تهديدات بالعودة الى الثلث المعطل، وكأنهم هم وحدهم يحق لهم التصرف بهذا البلد ومؤسساته والتحكم بمصير الانتخابات ونتائجها. وفي كل الأحوال، المطلوب في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ لبنان التقارب والحوار الجدي بين 14 و8 آذار على طراز ما يحصل حالياً بين المملكة العربية السعودية وسوريا، مما قد ينعكس ايجاباً على الوضع الداخلي في لبنان، كما قال رئيس اللقاء الديموقراطي النائب وليد جنبلاط في وقت لم يستبعد فيه المشاركة في حكومة الحوار، بعد إجراء الانتخابات النيابية في السابع من حزيران القادم، ومد يد العون الى الآخر وصولاً الى قواسم مشتركة، تحدث انفراجاً، فقد حان الوقت وآن الأوان لانقاذ الوطن وإعادته الى موقعه الطبيعي والى مكانته وريادته في هذا الشرق الكبير.