ليس المهم من يفوز في الانتخابات إنما من يقيم الدولة لا الدويلات
مطلوب حكومة برؤية مشتركة وليس حكومة متخاصمين
هل يمكن أن يحدث تأليف حكومة ما بعد الانتخابات خلافا حادا بين قوى 8 آذار و14 آذار قد يدخل البلاد في ازمة مستعصية تتحول ازمة حكم اذا أصرّ طرف على تأليف حكومة وحدة وطنية يكون للمعارضة فيها "الثلث المعطل" وأصر طرف آخر على ان تؤلف الاكثرية الحكومة كما تشاء وان تعارض الاقلية عملا بالنظام الديموقراطي المتبع في كل الدول التي تمارس هذا النظام؟ وهل الدول المناهضة لـ"حزب الله" مستعدة للتعاون مع هذا الحزب اذا فاز مع حلفائه بأكثرية المقاعد النيابية في الانتخابات المقبلة وكان له الحكم، ام تعامله كما تعاملت مع حركة "حماس" في غزة بعد فوزها في الانتخابات؟
يقول ديبلوماسي اوروبي ردا على هذه الاسئلة والتساؤلات ان ما يهم الدول الشقيقة والصديقة للبنان ليس من يحكم فيه، سواء كانت قوى 8 آذار او 14 آذار وحلفاء كل منها، انما كيف يحكم، كي تقوم في لبنان الدولة القوية القادرة على بسط سلطتها وسيادتها على كل اراضيها، فلا تكون سلطة غير سلطتها ولا سلاح غير سلاحها ولا قانون غير قانونها، وكيف يستطيع هذا الحكم تنفيذ القرارات الدولية ولاسيما القرار 1701 والقرارات التي اتخذت بالاجماع في مؤتمر الحوار الوطني عام 2006 والتي لم ينفذ منها حتى الآن سوى تبادل التمثيل الديبلوماسي بين لبنان وسوريا، اما القرارات الأخرى، فقد تعذر تنفيذها لعدم تعاون سوريا مع الحكومة اللبنانية على ذلك، وهي: ازالة السلاح الفلسطيني خارج المخيمات وضبطه داخلها وترسيم الحدود بين لبنان وسوريا بدءا من مزارع شبعا كي يصير في الامكان وضع هذه المزارع في عهدة الامم المتحدة تمهيدا لإعادتها الى السيادة اللبنانية، وضبط الحدود بين البلدين لمنع تهريب الاسلحة والذخائر الى اي مجموعة مسلحة، ومعرفة مصير اللبنانيين المعتقلين في السجون السورية.
يضاف الى ذلك التعاون تعاونا تاما وصادقا مع المحكمة ذات الطابع الدولي توصلا الى معرفة الحقيقة وكشف مرتكبي جريمة اغتيال الرئيس الحريري ورفاقه وجرائم الاغتيالات الاخرى، مخططين ومنفذين، وجعل اتفاق الهدنة هو الذي يحكم العلاقات بين لبنان واسرائيل ريثما يتم التوصل الى اتفاق سلام شامل وعادل في المنطقة، ودعم الجهود المبذولة لاقامة دولة فلسطينية الى جانب الدولة العبرية، لان اقامة هذه الدولة يشكل خطوة مهمة على طريق حل مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.
لذلك فالمشكلة ليست في التوصل الى اتفاق على تشكيل حكومة وحدة وطنية، انما في الاتفاق على برنامج عمل واحد لأي حكومة تحقيقا للانسجام والتجانس بين اعضائها، فاذا تم التوصل الى هذا الاتفاق بين قوى 8 آذار و14 آذار فلا شيء يمنع تأليف مثل هذه الحكومة، لكن ما لا يسمح بتأليفها هو الاكتفاء بجمع الاضداد والمتخاصمين ضمن حكومة واحدة من دون ان يتم جمعهم مسبقا حول برنامج عمل واحد لئلا تصبح هذه الحكومة معرضة في كل لحظة لخطر الانفجار من الداخل، وهو ما كان يحصل في الماضي عند تشكيل حكومات ائتلافية من اجل تأمين ثقة مضمونة لها، وكان بعض اعضائها يستقيلون عندما تتعارض مواقف الاكثرية الوزارية مع مواقفهم من المشاريع المهمة المطروحة وكان رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة يستبدلانهم بوزراء آخرين.
أما ان تكون حكومة الوحدة الوطنية حكومة تعطيل عمل مؤسسات الدولة وتعطيل اتخاذ القرارات، كما هو حاصل مع الحكومة الحالية، فهو امر مرفوض لانه يعوق قيام الدولة القوية القادرة وينعكس سلبا على العيش المشترك وعلى الوحدة الداخلية التي من دونها تضعف مقومات الاستقلال وتتراجع السيادة الوطنية ويتعرض القرار الوطني الحر للمصادرة. فاذا التقت قوى 8 آذار ولا سيما الحزب الاساسي فيها وهو "حزب الله" مع قوى 14 آذار على مبادئ مشتركة يتضمنها البيان الوزاري وتلتزم الحكومة بجميع اعضائها تنفيذ هذه المبادئ، فان تشكيل مثل هذه الحكومة يكون خيرا على الوطن والمواطنين، أما ان يكون المطلوب جمع قوى 8 و14 آذار في حكومة واحدة بدون اتفاق مسبق على قواسم مشتركة تجمع بينهما، فانها حكومة ترفضها غالبية اللبنانيين لأنها تتحول حكومة متاريس قد تنتقل الى الشارع.
ويرى الديبلوماسي نفسه من جهة اخرى انه لا يصح تشبيه "حزب الله" بـ"حركة حماس" لان هذه الحركة تعلن انها ستظل تقاوم الى ان تزيل اسرائيل من الوجود في المنطقة ولا تعترف بها، في حين ان "حزب الله" لا يمانع في تحقيق سلام مع اسرائيل اذا ما انسحبت من كل الاراضي اللبنانية التي تحتلها وتوصلت الى تحقيق هذا السلام مع العرب، وقد سبق للحزب ان عقد اتفاق تفاهم مع اسرائيل عرف بـ"اتفاق نيسان" وهذا يشكل اعترافا متبادلا بينهما، وان ما يحول حتى الآن دون اتفاق حركة "حماس" وحركة "فتح" على تشكيل حكومة وحدة وطنية فلسطينية هو اختلاف الرؤية بين هاتين الحركتين وعدم توصلهما الى رؤية مشتركة تمهد لتشكيل مثل هذه الحكومة.
ويختم الديبلوماسي نفسه بالقول ان الدول الشقيقة والصديقة للبنان لا يهمها من يحكم لبنان بل يهمها كيف يحكم ووفقا لأي مبادئ لان المطلوب هو اكل العنب لا قتل الناطور وان الحوار الاميركي – السوري والتقارب السعودي المصري السوري يصب في هذا الاتجاه دعما لمصالح لبنان الحيوية، وترسيخ استقلاله وسيادته وان هذا التقارب لن يتحقق وهذا الحوار لن يكون مثمرا ما لم تساعد سوريا فعلا لا قولا على قيام دولة قوية قادرة في لبنان مع اي حكومة تقوم فيه.