أبعد من رفع العلم اللبناني في دمشق…
كان افتتاح السفارة اللبنانية في دمشق يوم السادس عشر من آذار- 2009 حدثا تاريخيا بكل معنى الكلمة. مجرد رفع العلم اللبناني في العاصمة السورية تحوّل كبير في النظرة الى لبنان والكيان اللبناني. يفترض في هذا التحوّل أن تكون له انعكاسات على الصعيد العملي وترجمة فعلية بعيدا عن العقدة التي تتحكم بالنظام السوري وبعدد لا بأس به من السوريين الذين يعتقدون أن لبنان جزء من بلدهم، أي من سوريا الطبيعية.
ينسى هؤلاء أن مثل هذا المفهوم لسوريا وما يجب أن تكون عليه سوريا تخطاه الزمن. سوريا دولة عادية مثلها مثل اي دولة أخرى في المنطقة، كان يمكن أن تكون ثلاث دول، كما كان يمكن أن تكون ذات مساحة أوسع لو لم تضم فرنسا لواء الاسكندرون الى تركيا… ألم ترضخ سوريا في نهاية المطاف أمام تركيا بعدما حاولت طويلا استعداءها والسعي الى ابتزازها، تارة عن طريق "الجيش السري الأرمني"، وتارة أخرى عن طريق عبدالله أوجلان، وقبل ذلك أيام الحرب الباردة، عن طريق توقيع معاهدة صداقة مع بلغاريا عندما كانت لا تزال في المنظومة الاشتراكية. من يتذكّر أن النظام السوري وقع معاهدة مع بلغاريا بداية الثمانينات من القرن الماضي لمجرد أن علاقاتها كانت متوترة مع تركيا؟.
كلما استفاقت سوريا على الواقع باكرا، ابتعدت عن الأوهام التي لا تجر عليها سوى الويلات. هل من سوري يحترم نفسه يرفض التعاطي مع الواقع، أي مع الأزمة العميقة التي يعاني منها النظام الحالي من جهة والمشاكل الأخرى التي يتخبط بها البلد من كل النواحي… أي اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا؟ هل من سوري يحترم نفسه ويحترم بلده يرفض الاعتراف بأن النمو السكاني العشوائي في البلد سيأكل الأخضر واليابس في المدى الطويل وأن البرامج التعليمية تجعل من سوريا بلدا يسير الى خلف بسرعة فائقة بدل أن يكون اهتمام الحكومة بتنمية الثروة البشرية قبل الاهتمام بأي أمر آخر؟.
لم يكن انسحاب القوات السورية من الأراضي اللبنانية في نيسان من العام 2005 حدثا عاديا. كان الأجدر بالنظام أن يتعظ من الحدث وأن يتصرف بطريقة مختلفة تأخذ في الاعتبار أن كل السياسات السورية، منذ وصول حزب البعث الى السلطة في الثامن من آذار 1963 من القرن الماضي كانت خاطئة. أفرغت هذه السياسات سوريا من السوريين الذين يتمتعون بكفاءات وقدرات على جعل البلد مزدهرا. أكثر من ذلك، أدت هذه السياسات الى افقار سوريا وتحويل مجتمعها الى مجتمع بائس غير قادر على التفكير في كيفية تطوير نفسه.
منذ العام 1963 والنظام السوري يمارس عملية هروب مستمرة الى أمام. انه لا يقدم على أي خطوة ايجابية في اتجاه أي طرف كان الاّ تحت الضغط. يكفي للتأكد من ذلك عجزه عن استيعاب معنى اضطراره الى الخروج عسكريا من لبنان اثر استشهاد الرئيس رفيق الحريري ونزول اللبنانيين، على رأسهم أهل السنّة، الى الشارع للمطالبة بالحرية والسيادة والاستقلال! من كان يصدّق أن السنة في لبنان سيرفعون يوما شعار "لبنان أوّلا" لولا الممارسات السورية ولولا ثلاثين عاما من الاحتلال؟.
في استطاعة دمشق الاستفادة من رفع العلم على السفارة اللبنانية لتقول انها تعلّمت شيئا من أحداث الماضي القريب. اذا لم تتعلم من درس لبنان بسبب الاصرار على المكابرة وبسبب اعتبارها أن الميليشيا الايرانية المسماة "حزب الله" ملأت الفراغ الناجم عن انسحابها العسكري من الوطن الصغير، ما الذي يمنعها من الاستفادة من درس علاقتها بمصر؟ كان النظام السوري على رأس الذين قادوا الهجمة على مصر في العام 1977 بعد زيارة الرئيس السادات للقدس ثم توقيع اتفاقي كامب ديفيد في العام 1978 ومعاهدة السلام في العام 1979، أي قبل ثلاثين عاما بالتمام والكمال. ماذا كانت النتيجة؟ كان لا بدّ من العودة الى مصر… وكان لا بدّ من عودة مقر جامعة الدول العربية الى القاهرة. ماذا أفادت مقاطعة مصر؟ هل من مسؤول سوري يمتلك شجاعة طرح هذا السؤال على نفسه؟.
ارتفع العلم اللبناني في دمشق. رفعه ديبلوماسي شيعي. انه بالفعل حدث تاريخي. ألم يكن طبيعيا أن يحصل ذلك قبل ستين عاما أو أكثر؟ هل تستفيد دمشق من الدرس في شيء… أم أن عملية الهروب الى أمام مستمرة من دون كلل أو ملل؟. خيرالله خيرالله