كيف تكون سيادة الدولة اللبنانية؟
المحامي جورج ابو صعب
في ضوء البرنامج الواعد الذي أطلقته قوى 14 اذار يوم السبت الماضي في البيال لخوض الانتخابات النيابية في 7 حزيران المقبل برؤية موحدة، وفي ضوء الطموح الذي يحرك هذه القوى في قيام الدولة صاحبة السيادة الكاملة، نرى من واجبنا ولمن لا يقرأ الكثير عن مفاهيم دستورية وقانونية مكتفيا بقشور السياسة وزبد بعض المواقف السياسية الغوغائية التي تبرع في اطلاق الشعارات الكبرى. ولانها عاجزة عن تجسيدها كما بدأت قوى 14 اذار بتجسيدها فاننا نجد من المفيد كتابة هذه الدراسة التحليلية المبسطة لالقاء الضوء على الركائز العلمية التي تبنى عليها البرامج والمشاريع القومية والوطنية ولا سيما مشروع 14 اذار الوطني الشامل.
اولا: يقول العلامة الدستوري الفرنسي جان بودين JEAN BODIN "ان السيادة مفهوم قانوني يعكس واقعا سياسيا هو القدرة الفعلية على الانفراد باصدار القرار السياسي في داخل الدولة وبصورة نهائية ومن ثم القدرة الفعلية على الاحتكار الشرعي لادوات القمع في الداخل وعلى رفض الامتثال لاية سلطة تأتيها من الخارج.
فالسيادة اذا هي القدرة الفعلية للدولة كوجود ومن ثم القدرة الفعلية لقوتها. وبالتالي وانطلاقا من تعريف العلامة والفقيه ابرز واضعي وشارحي مفهوم السيادة في العلم الدستوري ان الدولة التي لا تستطيع ان يكون لها قدرة فعلية على احتكار ادوات القمع في الداخل ولا تستطيع بالتالي ممارسة قوتها فعليا في الداخل هي دولة غير موجودة وبلا سيادة.
فانطلاقا من القاعدة اعلاه ان لبنان اليوم فاقد لقدرته الشرعية على امتلاك احتكار القوة وادات القمع لان ثمة قوى على الارض لبنانية (حزب الله) وغير لبنانية (منظمات فلسطينية موالية لسوريا ) تتشارك قوة القمع في الداخل وتمنع الدولة من احتكار ادوات القمع وتعرقل قدرتها على رفض الامتثال لسلطة او دولة خارجية (سوريا وايران).
فلا يمكن الحديث اذا من ناحية علمية وقانونية اليوم عن سيادة لدولة لبنانية من الناحية الدستورية والعلمية في ظل الوضع القائم على ارض الواقع.
ثانيا: وضعت محكمة العدل الدولية في قرار لها عام 1949 السيادة كمعيار وحيد لوجود دولة كشخص من اشخاص القانون الدولي. واعتبرت المحكمة ان هذه السيادة للدولة تعني تمكينها من ممارسة كافة اختصاصاتها الشاملة التي لا تمنح الا لاشخاص القانون الدولي العام. فالدولة والسيادة صنوان لا ينفصلان كما يقول الفقيه جان دوني موتون J.D.MOUTON – والسيادة ذو شقين: الداخلي والخارجي.
فالدولة تتميز بهذا الامتياز في تملك السيادة الداخلية والخارجية التي تأتيها من مشروعية يقر بها سكان الاقليم او شعب الدولة ما يعطي تلك الدولة التفويض المشروع والشرعي بكلمة الفصل وقوة الفصل. من هنا فان الفقيه بودين في كتبه الستة عن الدولة 1576 يبني نظرية السيادة الحقيقية على القدرة الفعلية للدولة على الحكم والتحكم بالقوة المشروعة حتى وضع المعادلة الثنائية الشهيرة: القوة والسيادة، فلا واحدة دون الاخرى والا سقطت الاثنتان.
لذلك فان السيادة متكاملة وشاملة وبالتالي لا يمكن تجزئتها: فالسيادة تمثل صفة حتمية للدولة وتتجسد في قيامها على المصلحة العليا للجماعة وما تستطيعه ودور هذه الصفة الحتمية في بلوغ هذه الغاية العامة. فالدولة لتحقيق هدفها بتأمين الخير العام يجب عليها ان تعمل على تحقيق الانسجام الاجتماعي، ما يقتضي منها احتكارها وتفردها بالسلطة اي بقوة الامر والفصل، لذلك ومع وحدة الدولة يجب ان تكون السيادة وحدة غير مجزأة لا تنتقل ولا تتجزأ.
لذا وانطلاقا من القاعدة العلمية اعلاه ان مجرد البحث باستراتيجية دفاعية في وجود سيادة دولة وقوة ذاتية للدولة يعني القبول بمبدأ تجزئة السيادة من خلال مشاركة الاخرين في اهم مقومات السيادة: احتكار سلطة الامر النهائي واحتكار ادوات القمع، وبالتالي سقوط الاحتكار الشرعي لمقومات السيادة ولادوات القمع والفصل النهائي وسقوط سيادة الدولة.
ثالثا: ثمة مبدأ قانوني دولي عام يقول ان السيادة تتكامل مع دولة القانون. فالسيادة في ما تعنيه من انفراد ونهائية اتخاذ القرارات تتكامل مع مفهوم خضوع الدولة للقانون بما تعنيه من تنظيم للسلطة او ما يعرف بالمصطلح العلمي: السلطة المنظمة.
فغاية الدولة هي تأمين الصالح العام او الخير العام لان هذا الهدف سند سيادتها فتبعا لذلك تحدد الدولة مضمون السيادة وتنظمه من خلال تنظيم القيمين على السلطة. فطالما ان السيادة والسلطة المنظمة يهدفان الى الخير العام فيجب ان يكون وجه ممارسة السيادة اي السلطة ناشطة في اطار ما يأمن الخير العام
لانها لا تكون مشروعة الا بقدر ما يكون صدورها هادفا الى هذا الخير العام.
ان الدولة كما يقول الفقيه الدستوري DUGUIT ترتبط سيادتها بخضوعها للقانون ارتباطا حتميا من خلال السلطة المنظمة، لانها تنظم السلطة باسم ولحساب المجتمع بكامله وعلى قدر مصلحة هذا المجتمع. فان مضمون السيادة وممارسة اختصاصاتها لا يمكن ان يفلت الحكام اصحاب السلطة المادية من خضوعهم لتنظيم يحول دون انحرافهم. فهذا التنظيم يسمى داخليا النظام القانوني للدولة (من الدستور مرورا بالقوانين والمراسيم) وهذا ما يطلق على الدولة مصطلح دولة القانون. وفي الخارج من خلال خضوع الدولة لتنظيم دولي يتحقق معه التعاون في الحياة الدولية، فهذا التعاون الدولي يهدف لتأمين الصالح العام العالمي وهو لا يتصادم مع سيادة الدولة لان السيادة في مفهومها القانوني والسياسي الخارجي تعني رفض الامتثال وليس رفض التعاون.
وهذا ما يؤكده القرار الدولي الصادر من الجمعية العامة للامم المتحدة رقم (2625) والمعروف بـ "الاعلان المتعلق بمبادئ القانون الدولي الخاصة بعلاقات الصداقة والتعاون بين الدول" في اشارته في احدى نصوصه بما حرفيته:
"لكل دولة الحق الحصري في اختيار نظامها السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي دون اي شكل من اشكال التدخل من دولة اخرى".
وبالتالي فان دولة المحاصصة ودولة الثنائيات ودولة المحاور وتشريع الابواب امام تدخل الغير في الشؤون الداخلية بحجة المقاومة والممانعة كما يحلو للمعارضة ان تعتبر من صميم البرامج الوطنية، لا يمكن ان تحفظ سيادة دولة ولا دولة لبنانية اصلا. فلو نعود جميعنا الى الاصول والى العلم والى مبادئ تكوين هذا النظام العالمي الذي كلف رجالا كبار الكثير الكثير من التفكير والتأمل والتجارب ليوصلونا الى حقائق نحاول اليوم نقضها دون بدائل. فالدولة والسيادة صنوان والسيادة هي شخصية ذاتية في الداخل والخارج وقدرة فعلية على احتكار القوة الشرعية والقدرة المشروعة في تطبيق القرار النهائي المنبثق من القانون والمتقيد بالقانون. فهذه الضمانات السياسية والقانونية والعلمية هي في صلب برنامج العبور الى الدولة، فعلى من يريد الدولة السيدة والحرة والمستقلة ان يعبر مع 14 اذار ومن لايريد هذه الدولة السيدة عليه ان يدرك انه لا يريد السيادة وان يفهم ان السيادة لا تنتقص عندما تفوض الدولة سياديا (وهذا من حق الدول في المعاهدات الدولية) صلاحيات قضائية لمحكمة دولية تود محاكمة المجرمين ولمحقق عدلي يريد تجميع الادلة والشهود والاثباتات لتبيان المجرمين، بل عندما تقبل المعارضة بتدخل دول في استراتيجياتها الدفاعية للعب اوراق ابعد ما تكون
عن مصالح خير الدولة اللبنانية السيدة.
فالسيادة والدولة صنوان… لا واحدة دون الاخرى. والسيادة لا تتجزأ ولا تتنازل عن صفاتها لاحد ولا تقبل المشاركة مع احد. فلا ثلث معطل بعد اليوم لانه ينافي مفهوم السيادة الداخلية ويقسم السلطة لاضعافها وبالتالي اضعاف احتكار القوة.
هذه ابرز النقاط التي اردنا ايصالها الى المعارضين … وللبحث تتمة.