البيئة المستدامة هي المقياس الحقيقي لحضارة الشعوب
كيف ومن يصنع البيئة السليمة المستدامة
البيئة المستدامة هي من أهمّ الأهداف التي تسعى إليها المجتمعات المتحضّرة في هذا العصر.
لكنّ الوصول إلى هذا الهدف يتطلّب دراسة كل النقاط التي ترتبط بهذا الموضوع، من هنا يجب تشريح العلاقة التي تربط البيئة بالإنسان. المقصود بالبيئة هنا كل ما يتعلق بالجغرافية والمناخ والحضارة. إما بالنسبة إلى الإنسان يجب دراسة كل ما يتعلّق فيه من حيث كونه الصناعي، التاجر، الاقتصادي، الثقافي، والاجتماعي. هذه النواحي تبييّن أن هناك تداخلاً عميقاً ما بين البيئة و الإنسان، كل ناحية تؤثّر على الناحية الأخرى لذلك يجب الحفاظ على التوازن ما بين جميع النواحي، وإلا فإن ميزان التواصل يكون قد تعرّض للانكسار بسبب كثرة العوامل المتداخلة والتي تؤدّي إلى البيئة المستدامة. يجب حصر كل ذلك بثلاثة متشعبات ووضعها ضمن إطار هندسي يساعد على فهم كيفيّة الوصول إلى البيئة المستدامة المواضيع الأساسية هي ثلاث:
1. المجتمع
2. البيئة
3. الاقتصاد
في الرسم التالي يمكن إن نقدّر نسبة التداخل بين هذه المواضيع، إن التقاطع بين هذه المواضيع يؤمّن التوازن (فيما بينها) إما الأهم هو تقاطع الدوائر الثلاث في نفس الوقت.

إذا نظرنا إلى هذه الصورة فإننا نجد بان الوصول إلى المنطقة الوسطية لا يتمّ إلا إذا أخذت كل الدوائر بعين الاعتبار. لا يمكن أن ننظر إلى البيئة بشكل راديكالي ومتعصّب دون الانتباه إلى الأمور الأخرى.
إن العلماء الذين يدرسون هذه المواضيع كعلماء الاجتماع يرون إن التنوّع الثقافي هو ضرورة للبشر مما يعني إن هذا التنوّع يعتبر من القوانين الاجتماعية لتطوير المفهوم البشري، ليس فقط بالنموّ الاقتصادي ولكن أيضا للوصول إلى اكتفاء فكري، عاطفي، ثقافي وروحاني.
لذلك فإن التنوّع الثقافي هو النوع الرابع في سياسة الوصول إلى البيئة المستدامة ، لذلك فإن الوصول إلى الهدف يجب على المجتمعات أن تسلك الطرق الأربعة المرسومة بالشكل الهندسي التالي:

البيئة المستدامة هي التي تحافظ على التوازن بين جميع هذه العناصر في جميع الأوقات.
في هذه الدراسة سوف نعرض بشكل أكاديمي المواضيع المتعلّقة بالنموّ المستدام.
النموّ الأخضر:
هذا النموّ يختلف عن النموّ المستدام لأن الأولويّة لديه هي البيئة ولا يعنيه لا الاقتصاد ولا الثقافة ولا المجتمع. على سبيل المثال: إن معالجة التلوّث الناتج عن مصنع كيميائي هو بمثابة أولويّة بالنسبة إلى البيئة الخضراء مهما كلّف ثمن هذه المعالجة حتى ولو كان المجتمع المعني بهذه المشكلة لا يملك الإمكانيات للقيام بهذه المعالجة.
إن الذهاب بهذا الطريق يؤدّي إلى خلل اقتصادي كبير وبالتالي فإن الميزان الذي وضع من اجل الوصول إلى البيئة المستدامة سوف ينكسر حتماً، وبالتالي لا يمكن الوصول إلى الهدف المنشود.
البيئة تحديدها وامتدادها:
البيئة هي الحلقة التي تربط الطبيعة بالثقافة وهي التي تخلق شخصية الإنسان. هذه البيئة هي التي تحدد طبيعة الأشخاص فهي تؤدّي إلى خلق شخصيّات متوازنة مفيدة للمجتمع وقد تؤدّي أيضا إلى خلق شخصيات عابثة بكل الحركة الطبيعية للحياة.
يمكن للبيئة إن تفرز المجرم والمثقّف، المسؤول الجيّد أو الإنسان المتهوّر، إن الثقافة البيئية ليست كباقي الثقافات بل هي نظام أو جهاز يعمل على تسهيل الأمور وتذليل المشاكل، هي التي تحرّك الروح الاجتماعيّة وتحوّل المسؤولية الفردية إلى الجماعة.
الثقافة البيئية تتطلّب أيضا توطيد العلاقة ما بين شخصيّة الإنسان والطبيعة من حيث التنوّع البيولوجي و الثقافي ويجب احترام هذه الثقافة.
لا يجوز مثلا التمييز بين البشر من حيث اللون أو الجنس ولا يجوز للآخر إن يشعر انه في غير مكانه أو انه غير جدير بالاحترام، كلّ في مكانه يجب إن يكون في حالة من الحريّة والمسؤولية ليمكنه إن يلعب الدور المجدي والذي ينعكس إيجابا على الفرد والمجتمع.
البيئة والإنتاج ألاقتصادي:
لا يوجد حياة دون الموارد الماديّة مثل الأغذية، الطاقة … الخ.
الثقافة البيئيّة هنا تستوجب التعلّم على التوفير وعلى الصرف ألمسؤول، كذالك على العدالة في التوزيع ضمن المجتمع.
إن إدارة الإنتاج واستعمال الموارد المشتركة بالشكل المتوازن هي من ألأمور المطلوبة، كما وان إدارة النفايات الصادرة عن هذا المجتمع هي واحدة من الأشياء الضروريّة للسير نحو البيئية المستدامة.
الثقافة البيئية هي تربية اقتصادية لإدارة المؤسسات وسلوك فردي واجتماعي في ما يتعلّق بالموارد الحياتية اليومية.
البيئة والمعرفة المسبقة:
هذه الناحية تتطلّب مهارة لمواجهة الوقائع الحياتيّة وتشخيص المشاكل.
المشاكل البيئية والمجتمع يتداخلان عن طريق المصالح والنفوذ.
إن احترام التوازن ما بين هذه التداخلات يقوّي الشعور بالمقدرة ويحفّز خلق الإرادة على العمل.
البيئة نظام:
إن التعمّق في ممارسة التفاصيل يسمح بفهم الحقائق البيئية وبالتالي يمكن اقتراح القوانين المتعلّقة بالعبور إلى البيئة المستدامة.
الاطلاع على تفاصيل البيت الذي نعيش فيه بما يحتوي من أمور ماديّة ومعنوية والحفاظ على التوازن البيئي بداخله، أي الإيكولوجية، هو أمر مطلوب للوصول إلى البيئة المستدامة.
معرفة الربط بين جميع الأمور الحاضر، الماضي والمستقبل، المحصور والعام، السياسة وألإقتصاد، طرق الحياة الصحّة العامة والبيئة، إن ربط هذه التفاصيل مع بعضها البعض والتنسيق فيما بينها، واحترام قواعد كل ناحية هو أيضا ممرّ للوصول إلى البيئة المستدامة.
البيئة هي نمط حياة:
الحياة اليوميّة في البيت، المدرسة، العمل، على الطرقات كلّ هذه الأمور هي المرحلة الأولى على طريق الثقافة البيئية.
إعادة تقييم دائم للشخص وعلاقته بالمجتمع. كلّ ذلك بهدف تطوير الشعور بالانتماء والارتباط بالجذور.
ضمن هذا الجو العام يصبح الفرد جزء من المجموعة، والذي هو بمثابة Matrices de vie “GAIA” أو بستان مشترك يغذي كل الشعوب. والفرد هو ضمن هذه الحركة الكونيّة التي يعتمد على كلّ أعضائها، أي إفرادها والفرد هو منها ولها، هذا الشعور يؤدّي إلى التضامن بين جميع الإفراد.
البيئة مشروع التزام جماعي:
إذا وجد الإنسان في مكان ما عليه إن يدخل ضمن المجموعة المتواجدة أصلاً، وعليه إن يتأقلم مع هذه المجموعة، وبعد ذلك، يشارك في التعاون مع الآخرين في كافة الأمور، ويعمل على تحقيق التغيير المفيد داخل المجموعة، إن القاعدة القائلة إن المجموعة " تتعلّم وتمارس" هي من أهمّ الأسس في تطوير المجتمعات.
لذلك إن التعلّم وقبول الحوار و كيفية سماع الآخر وعملية الإقناع هي من الركائز ألأساسية المطلوبة في تطوير المجتمعات.
إذا أخذنا مثلاً الشعوب الأوتوكتونيّة التي تنتمي إلى البيئة بشكل كلّي أو البيئة الفرديّة، التي ترتبط بالعشائر والجغرافية والتقاليد، فنجد إن هذه الشعوب لا يمكنها إن تتطوّر أو تنمو، لذلك فإن مشروع الثقافة البيئية هو مشروع واسع وصعب.
فهو يرتبط بكل شيء: بالمدرسة، بالبلديات، بالمنظمات، بالجمعيات، بالخلايا…الخ. كل واحدة من هذه تحدد دورها وقدرات تأثيرها الايجابي على الثقافة البيئية.
فالمجموعات الرهبانيّة هي واحدة من المجموعات التي تشكل وحدة أو مجموعة متناسقة، وكل فرد يلعب الدور المكمّل للمجموعة.
هذا النوع من التفكير والتحليل أدى إلى خلق تيارات فكريّة مثل التيارات الوطنيّة والتيارات المحافظة والتيارات الإنسانيّة والتيارات البييومناطقيّة والنسائيّة، جميع هذه التيارات تسير بالاتجاه المكمّل للبيئة المستدامة.
هذه المقاربة المتعلّقة بالتطوّر بحسب: “RIST” في كتابه :
“L’EDUCATION POUR LE DEVELOPPEMENT DURABLE” هي الحارس في خدمة البيئة.
د. جميل ريما
رئيس الهيئة العامة للبيئة و الإنماء في القوات اللبنانية