بَيْنَ بَيْن
كالعادة، استقبلت بيروت كلام الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي للرئيس ميشال سليمان بكثير من الارتياح، مع التمني على الأم الحنون أن تظل عند رأيها، وعند موقفها، وعند "انحيازها" الى جانب لبنان عندما يكون مستهدفاً أو مظلوماً.
ولطالما كان الظلم والاستهداف رفيقي درب هذا البلد الذي لم يعرف الاستقرار والطمأنينة، منذ ما قبل الاستقلال حتى اللحظة، وحتى غد بظهر الغيب.
على رغم انها ليست المرة الاولى التي يسمع فيها اللبنانيون رئيس دولة صديقة وعريقة في علاقتها بلبنان يؤكد أن لا تسويات على حساب لبنان، فإن الناس هنا يهمّهم دائماً ان يسمعوا تطمينات في هذا الخصوص، وفي هذه المرحلة الحرجة.
ومن الآن الى ان تنتهي الانتخابات النيابية، وتبدأ المحكمة الخاصة بلبنان أعمالها، ويثبت المجتمع الدولي والشرعيَّة الدولية جدّيتهما وتمسكهما باستقلال لبنان وحريته واستقراره.
مثلما يهمُّهم ويعني لهم الكثير أن تُبدي لهم الأيام الآتية صدق ما يسمعونه من وعود، وما كانوا يجهلونه ويظنّون انه مجرد كلمات مكتوبة على الماء.
ولا يُلام الناس هنا إن هم ثابروا على تنفيخ اللبن، لفرط ما كواهم الحليب، وكوتهم التجارب، وكوتهم الوعود والتعهُّدات التي لم يطلع عليها الضوء…
مراراً وتكراراً، وبأسلوب مفعم بالجدّية، أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما موقفه الواضح والصريح بالنسبة الى إصرار أميركا على رفضها التدخُّل في شؤون لبنان من أية جهة أتى، مع التأكيد أن لا تسويات على ظهر لبنان أو بطنه أو كتفه أو رأسه.
لا من فوق الطاولة، ولا من تحتها.
وكلما طُرح عليه "سؤال لبنان" على هامش الاتصالات الأميركيّة مع سوريا أو ايران، تجده يعيد الجواب معززاً بلهجة حاسمة وجازمة: لا تسويات على حساب لبنان.
حتى ان وزيرة الخارجية الأميركيَّة هيلاري كلينتون رأت نفسها تنفعل قليلاً وهي تجيب عن السؤال نفسه، وتجيب بصوت لا يخلو من الحدة: لبنان ليس على الطاولة. ولن يكون على الطاولة. ولا تغيير قيد أنملة في موقف الادارة الأميركية الذي عبَّر عنه الرئيس أوباما بوضوح تام، وفي أكثر من مناسبة.
مع ذلك كله، لا يستطيع اللبنانيّون إخفاء خشيتهم ونقزتهم عندما تتناهى الى مسامعهم "خبريات" تفيد ان اتصالات واشنطن لم تتوقَّف أو تنقطع بدمشق وطهران.
فيقفز الفأر الى أعبابهم، ويهرعون فوراً الى تنفيخ اللبن، والاستعانة بما عند المحلّلين والخبراء من تفسيرات وتطمينات.
حين جاء مساعد وزيرة الخارجية لشؤون الشرق الأوسط جيفري فيلتمان الى بيروت حرص على أن يبلِّغ كبار المسؤولين أن لا أساس من الصحة لكل ما يذاع ويشاع عن صفقات ومقايضات: فالموقف الأميركي أُعلن من البيت الأبيض، وتضمن ما يجعل اللبنانيين ينامون ملء جفونهم…
قادنا الى عرض هذه المواقف والآراء كلام الرئيس ساركوزي قبل يومين للرئيس سليمان عن موقف فرنسا الذي لا يتزعزع، ولا يتساهل، ولا يمكن ان يدع أية تسوية أو صفقة تمر… اذا كانت على حساب لبنان، أو تعرِّض استقلاله واستقراره لأية انتكاسة.
كذلك الأمر والموقف بالنسبة الى المحكمة الخاصة بلبنان، وكل ما يخصُّ لبنان ويتصل بمصلحته.
لكنَّ المسألة تظلّ بَيْنَ بَيْن…