#adsense

يسمونها تهدئة ويحدثونك عنها .. وهذا مفهومهم لها!

حجم الخط

يسمونها تهدئة ويحدثونك عنها .. وهذا مفهومهم لها!

للحديث عن التهدئة أسبابه الإقليمية والمحلية، لكن الكلام شيء والأفعال شيء آخر، الأمر الذي يوحي بعدم قناعة فريق الثامن من آذار أو "بعضه" بـ"التهدئة"، فهو إما أنه يحمل مفهوماً مشوهاً لـالتهدئة" يخالف ما تعارف عليه الناس، نتيجة تصوّره المشوه أصلاً لمفهوم الدولة، وإما أنه يذهب إلى تهدئة يراها إلزامية ـ حتى إشعار آخر ـ، الأمر الذي يجعله يتكلم عن الشيء ويمارس نقيضه. في المحصلة ثمة كلام كثير يجري في عروق الحياة السياسية اللبنانية هذه الأيام عن التهدئة، لكن الوطن لا يزال يعاني في أمنه واستقراره على مشارف انتخابات "مفصلية"، وكأن ترياق "التهدئة" مغشوش. ولعل في "العوارض" السياسية والأمنية الظاهرة ما يكفي من أدلة.

يعفون أنفسهم من المسؤولية عن أفعالهم!

أكبر ما ينافي التهدئة تلك الخروقات الأمنية التي تحصل بين الحين والآخر. ليست هذه الخروقات واحدة من العوارض المَرضية المؤشرة على مخالفة الواقع لمفهوم التهدئة فحسب، وإنما هي واحدة من المؤشرات على تعاطٍ سقيم من قبل فريق سياسي ـ هو فريق الثامن من آذار ـ مع هذه المسائل الأمنية. ويكفي أخذ ما جرى يوم 14 شباط الماضي كمثال على ذلك. في هذا اليوم وقعت اعتداءات كبيرة ومتعددة الأطراف على المشاركين في تظاهرة سلمية، يفترض أن تكون جامعة. كان واضحاً بلا أدنى لبس أن مناصري قوى الثامن من آذار هم الذين يعتدون على مناصري الفريق الآخر، ومع ذلك تصرف هذا الفريق وكأنه غير معني بما يـُنسب إليه من أعمال، وبناءً عليه لم تصدر أي من الأحزاب التي يُنسب إلى مناصريها ومحازبيها قيامهم بالتعديات ("القومي السوري"، "أمل"، "حزب الله"…) أي بيان توضيحي، سوى بيانات الاستنكار والأسف، وكأن الفاعلين جاءوا من كوكب آخر!.

وعلى عكس منطق الأمور، فقد طلب العماد ميشال عون "من وزيري الداخلية والدفاع تعهداً أن بإمكانهم أن يجروا الانتخابات في يوم واحد، وإلا يجب تعديل القانون وأن تكون الانتخابات على يومين لمرة واحدة"، متناسياً أن حلفاءه هم الذين هزّوا الأمن في الشارع، وأنه يقع على عاتق فريقه هو، قبل وزيري الدفاع والداخلية، أن يقدّم تعهداً برفع الغطاء عن أي مخلّ أو مسيء، حتى يـُضبط الأمن.

..ويتعاطون بازدواجية مع القوى الأمنية!

ويزداد المشهد دهشة عندما يطالب فريق الثامن من آذار الأجهزة الأمنية بتحمل مسؤولياتها، والقيام بدورها!. وجه الدهشة لا يعود فقط إلى أن فريق الثامن من آذار مسؤول ـ ولو معنوياً ـ عما يقوم به مناصروه ومحازبوه، بل لأن هذا الفريق يستقوي على القوى الأمنية، فضلاً عن تشكيكه المستمر بكفاءتها ومهنيتها وحيادها!. أي أن هذا الفريق يتعاطى مع القوى الأمنية على أنها مسؤولة أمامه عن أي إخلال بالأمن، ولكنها في الوقت نفسه متهمة لديه، إذا ما قامت بواجبها، بالعديد من التهم الجاهزة!.

ولا يقتصر هذا النمط من التعاطي على توجيه الاتهامات فقط، بل يتعداه إلى العرقلة المادية، إذ لا يكاد أسبوع يخلو، من حادثة أو أكثر، يتعرض فيها رجال قوى الأمن الداخلي للضرب والاحتجاز في المربعات الأمنية الحزبية، ولا سيما في الضاحية الجنوبية، وذلك أثناء قيامهم بمهام أقل شأناً بكثير مما يطالبهم فريق الثامن من آذار القيام به، إذ لمجرد أن تقوم هذه القوى بتحرير محضر ضبط بمخالفة بناء تتعرض للاعتداء!، وقد وصل الأمر في 22 شباط الماضي إلى قيام مسلحين بالانتقام من أحد ضباط قوى الأمن الداخلي أثناء قيامه بزيارة أقرباء له قرب مسجد الرسول الأعظم، فقاموا بتطويقه مع سائقه، وانتزعوا سلاحهما، ثم أمطروا السيارة العسكرية بالرصاص، وطلبوا منهما مغادرة المنطقة، قبل أن يقوم أمن "حزب الله" بـتحريرهما"!. كما حدث قبل أيام حادث مشابه بسبب حادث سير بين سيارة لقوى الأمن وأخرى مدنية في منطقة برج البراجنة.

المجني عليه متهم حتى ثبوت العكس

ويصل التضليل قمته عندما يقوم فريق الثامن من آذار باتهام الفريق المجني عليه بالجني على نفسه!. تارة لأنه كان "غير مؤدب يقوم باستفزاز الأشخاص الموجودين بالأحياء بإشارات وعبارات مبتذلة"، كما برّر العماد ميشال عون أفعال المعتدين على المشاركين في تظاهرة 14 شباط الماضي. وتارة باتهام الخصوم بأنهم يحرقون سياراتهم ويفجرونها بهدف "اتهام سواهم من أجل إحداث حدث اعلامي للفت النظر"، كما اعتبر السيد حسن نصر الله في خطابه مساء يوم الجمعة الماضي، تعقيباً على الإحراق المستمر لسيارات كوادر تيار "الانتماء اللبناني"، بقيادة أحمد الأسعد، في الجنوب.

وغير بعيد عن هذا السياق، يعتبر فريق الثامن من آذار، أي كلام عن الخروقات الأمنية التي تجري في البلد، بمثابة خرق للتهدئة!. وعليه يصبح الخطر على أمن الانتخابات، ليس الأحداث الأمنية وإنما الحديث عنها، وأن "من يخيف المغتربين من المجيء إلى لبنان، هو ذاك الذي يضخّم الأحداث ويخيف بها المغتربين في الخارج"، وليس من يرتكب أو يغطي فاعلي هذه الأحداث.

يتوزعون الأدوار!

وحتى لا يحرَج الحزب الذي يقود هذا الفريق بأقوال تتنافى مع ادعائه السير بالتهدئة، يترك التصعيد لـحلفائه" المتوترين ـ كلما اقتربت الانتخابات ـ، أو يترك الكلام المرذول لـ"صغاره"، الذين يرتعون في حماه. وقد يحظى بعض هؤلاء الصغار بمساحات في وسائل إعلام فريق الثامن آذار، لا تتناسب البتة مع حجمهم، وما ذلك سوى أن بإمكان من يستضيفهم القول "إن مواقفهم لا تعبر بالضرورة عن موقف المعارضة"!.

أما الذين يتصرفون كالصغار بفعل التوتر، فلربما بات تصعيدهم المنافي لـ"التهدئة" أكبر مما كان يظن الحزب الذي يدعمهم، وفي توتر العماد واتهاماته مساء السبت الماضي خير دليل على ذلك. كما أن إعلامه الليموني خرق كل حد متوقع، في واحدة من أكثر المسائل حساسية، عندما استضاف قبل أيام وئام وهاب، الذي قال خلال مقابلة مع ماغي فرح، إن "بلمار ليس قاضياً بل رئيس مافيا، … وهو كاذب حتى يثبت العكس"، ناعتاً بان كي مون بـ"المسطول"، وداعياً إلى "تظاهرات لمنع نقل الضباط الأربعة إلى المحكمة الدولية"!.

.. أما الثلث المعطل فهو خارج مفهوم التهدئة

وسط هذه الخروقات كلها، لا تكفّ الشخصيات المؤثرة أو غير المؤثرة في فريق الثامن من آذار عن التذكير في "حقها" في التعطيل، عبر استعمال الثلث الذي تمتلكه في الحكومة، لمنع إقرار ما تعتبره مساً بها. وانسياقاً مع ما بات يعتبره فريق الثامن من آذار من أصول الديمقراطية التوافقية اللبنانية، يعتبر هذا الفريق أن استعمال الثلث المعطل أو التلويح به لا يدخل في إطار التهدئة، لا الآن ولا بعد الانتخابات النيابية. بل يطالب هذا الفريق، وبكل وضوح، بإعادة تشكيل حكومة يكون له فيها الثلث المعطل في حال خسر الانتخابات القادمة، عارضاً الأمر نفسه على الفريق الآخر في حال فاز فريق الثامن من آذار في الانتخابات.

بين مشهد الخروج من الدولة في السابع من أيار، ومشهد العبور المأمول إليها في السابع من حزيران، يختلف مفهوم التهدئة الحالية. فبالمقارنة مع سوداوية السابع من أيار يمكن تجاوزاً وصف الوضع الراهن بالتهدئة. أما إذا ما قورنت أوضاعنا الحالية، الأمنية والسياسية والإعلامية، مع "المتعارف عليه" في العالم لمفهوم الدولة، ولمضمون التهدئة، فإن الواقع يحتاج لتوصيف آخر أكثر انطباقاً على ما هو سائد.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل