#adsense

الخطاب السياسي بين تصعيد وتهدئة وخرق للضوابط

حجم الخط

الخطاب السياسي بين تصعيد وتهدئة وخرق للضوابط
"زحمة" مرشحين و"تباينات" في المعارضة والموالاة

يبدو رئيس "تكتل التغيير والاصلاح" النائب ميشال عون واثقاً الى اقصى حدّ من نفسه ومن قدرته على اقناع مؤيديه بكل قرار يتخذه، الى درجة عدم التخوّف من مخالفته الرأي في خياراته الانتخابية او من "جنوح" بعضهم نحو تشكيل لوائحهم الانتخابية خلف الستارة في مراكز الاقتراع، حتى في حال عدم الاقتناع كلياً بصوابية اختيار الدوائر الانتخابية المناسبة لبعض المرشحين.

وقد برز هذا الانطباع بعد اعلان ترشيح احد مؤسسي "التيار الوطني الحر" برئاسة عون اللواء المتقاعد عصام ابو جمرا، وهو احد ممثليه في الحكومة الحالية ويشغل فيها منصب نائب الرئيس، في دائرة بيروت الأولى، ولا مانع قانونياً يحول دون هذا الترشيح. واذا كانت حجة بعض منتقديه ان المرشح من خارج بيروت ومن غير ابناء منطقة الاشرفية والدائرة الاولى للعاصمة، فإن هناك مرشحين آخرين من خارجها ابرزهم نديم بشير الجميل، وان يكن "اباً عن جد" من سكانها ومن ابنائها، فهو "انتخابياً" من بكفيا في دائرة المتن الشمالي. اذاً تلك ليست مشكلة تحول دون ترشيح ابو جمرا ابن الكفير الجنوبية في العاصمة، ومن حق حزبه ترشيحه في اي دائرة يختارها رئيسه، ولا سيما بعد تعثّر ذلك في منطقته لاسباب تتعلق بالخريطة الانتخابية ومراكز القوى في الجنوب. والمعيار ليس كون المرشح من ابناء المنطقة التي يترشح فيها، ولكنه بالتأكيد الحيثية والحضور الانتخابي للمرشح، ومن الطبيعي ان ابو جمرا سيكون مرتاحاً اكثر بكثير لو جاء ترشيحه جنوباً، اقله بسبب قوة ثنائي المعارضة في تلك المنطقة "حزب الله" و"امل" حليفي "التيار الوطني الحر"، ولكونه ابن الجنوب. وسيكون الرهان في بيروت على مدى التزام القاعدة الانتخابية تعليمات "الجنرال"، بمعزل عن حجم هذه القاعدة في دائرة بيروت الاولى.

واذا صحّ ما قاله بعض القريبين من "التيار الوطني الحر" في مجلس خاص عن تعاطف في الاوساط العونية مع المرشحة نايلة تويني وعن تمنيات من بعضهم لاقناع رئيسه بعدم ترشيح أحد ضدها او تخوّف من عدم ضمان النتائج، فسيعني ذلك ان لا شيء نهائياً بعد وان كل الاحتمالات واردة.

ولعل كلام عون الودي والعاطفي قبل يومين حيال المرشحة تويني ووالدها الشهيد جبران تويني، وان خلص في النهاية الى اعلان الترشح ضدها، يعزز مثل هذا الاحتمال. ويدرك العارفون بأجواء تلك الدائرة وبمزاجها الشعبي والعائلي العام ان عرض هذا الواقع لا يعني على الاطلاق الدفاع عن هذا المرشح او انتقاد ذاك، فلكل الحق في الترشح في اي منطقة يشاء دون منّة من احد. ولكنه يعكس جواً انتخابياً مختلفاً عما هو الواقع الانتخابي في الجنوب او في المتن، على سبيل المثال. وهذه حقيقة يدركها الجميع.

واذا كان من المكابرة التقليل من شعبية العماد عون، فمن غير المبالغة التوقف عند خطابه الانتخابي الذي ينحو يوماً بعد يوم نحو التصعيد وفي كل الاتجاهات. وآخر "ضحاياه" كان الوزير نسيب لحود المعروف برصانته وهدوئه وبأنه لا ينفعل عادة، لكنه اضطر امس الى عقد مؤتمر صحافي خصيصاً للرد بقسوة على ما ورد في حقه على لسان عون مساء الاثنين.

واذا كان النائبان وليد جنبلاط وسعد الحريري من "الأهداف" الدائمة لهجمات "الجنرال"، فإن هجومه الاخير العنيف والمركّز على جنبلاط طرح تساؤلات حول توقيته واهدافه، وإن يكن طبيعياً القول ان مناخه العام انتخابي، ككل المواقف السياسية التي يطلقها الجميع او معظمهم، في الموالاة والمعارضة هذه الايام. وكان لافتاً ان جنبلاط امتنع عن الرد على هجمات عون رغم الحاح عليه في حواره التلفزيوني الاخير على قناة "الاخبارية" في تلفزيون "المستقبل". وبدا واضحاً انه تجنّب اعطاءه فرصة الافادة في اوساطه الشعبية من رد جنبلاطي عليه، تعتقد اوساط الاكثرية النيابية ان عون يسعى اليه ويحاول تكراراً استدراج جنبلاط والحريري الى هجوم عليه، وهو يدرك "مردوده" الانتخابي، في حين ان مؤيدي عون يردون بأن مواقفه ليست جديدة ولا هي مرتبطة بأهداف انتخابية بل هو يعني كل ما يقوله. وللمناسبة فإن وصف جنبلاط الشهير لعون عشية انتخابات 2005 بـ"التسونامي الانتخابي" خدمه الى ابعد حد، وساعده على حصد كتلة نيابية كبيرة يسعى الى الحفاظ عليها، شأنه شأن سائر رؤساء الكتل واللوائح الانتخابية.

وهناك من يرى المسألة من زاوية اخرى، اذ يعتقد ان عون صوّب على جنبلاط ليصيب هذه المرة هدفاً آخر هو حليفه في المعارضة رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي لم توفّره الهجمات العونية الاخيرة تصريحاً و"تسريباً"، وإن بوتيرة اخف، وكانت على خلفية التشكيلات القضائية. ولكن ما لم يعد سراً هو ان ثمة تباينات انتخابية بين عون وبري تمتد من حاصبيا – مرجعيون الى جزين وتجري معالجتها بين اهل المعارضة وعلى رأسهم "حزب الله" الذي يضطلع بدور فاعل في هذا الصدد. وقد بدأت الحساسيات الانتخابية بين الحليفين المعارضين باكراً وقبل الانتخابات بكثير، وتحديداً عندما قال قريبون من عون قبيل زيارته الاولى لمنطقة الجنوب بعد ابرام وثيقة التفاهم مع "حزب الله" ما معناه: جئنا لنسترد جزين ونعيدها الى اهلها واصحابها، وقد احدث هذا الكلام الذي استتبع برد عليه من بعض نواب كتلة بري "نقزة" عند رئيس مجلس النواب الذي يعد نواب جزين ومنطقتها من "حصته" الانتخابية، ومن اهل كتلة "التحرير والتنمية" التي يترأسها. مع الاشارة الى ان الاوساط القريبة من بري تقلل حجم التباينات مع عون وتؤكد انها تعالج ولن تتحوّل خلافاً بينهما.

وكما في المعارضة كذلك في الموالاة، لا يخلو الامر من تباينات في بعض الدوائر الانتخابية او من "زحمة" مرشحين، من الشوف الى بعبدا وصولاً الى الشمال. وقد حال الخطاب الهادئ الذي ينتهجه اركان الموالاة منذ مدة، دون ظهورها الى العلن او تحولها خلافاً في ما بينهم.

"انها الانتخابات يا عزيزي"… عبارة تتردد كثيراً في اوساط الموالاة والمعارضة هذه الايام، واحياناً تكون غطاء لتجاوزات ولعدم احترام ضوابط الخطاب السياسي. ويبقى الاهم الا ينقلب هذا الخطاب ذات يوم عند اي طرف، محاولات لعرقلة الانتخابات!

المصدر:
النهار

خبر عاجل