#adsense

الأقلية وغوبلز والثلث المعطل

حجم الخط

بين بشارة الأستاذ ورسالة السيّد وتوتر الجنرال
الأقلية وغوبلز والثلث المعطل

يكثر الحديث في هذه الأيام عن استحقاق 7 حزيران الانتخابي. والواقع أن هذا الاستحقاق مفصلي وأساسي لما سيترتب على برلمان 2009 من مهام ومسؤوليات تتصل بكيفية إدارة المرحلة المقبلة على كل المستويات. لكن في المقابل، فإن مواقف كثيرة يرددها قادة 8 آذار تستوجب بحثاً في مرحلة ما بعد 7 حزيران، أي في اليوم الذي يليه مباشرة بعدما تتكشف صناديق الاقتراع عما بداخلها.

8 آذار والهجوم الاستباقي

بعيداً عن لغة الشتائم والتهجم على الشهداء وإثارة العصبيات المذهبية من باب استهداف رموز وموقع ودور الطائفة السنية التي باتت "أصلاً" في خطاب "الجنرال"، ثمة كلام يستحق التوقف عنده لكل من رئيس مجلس النواب نبيه بري والأمين العام لحزب الله السيد حسن نصر الله.

فالرئيس بري، ومنذ فترة، لا يفتر يبشّر بحكومة وفاق وطني "لا بد منها بعد الانتخابات"، بل إنه يرجّح رئاستها للنائب سعد الحريري، أما السيد نصر الله فقد خيّر، بداية، فريق 14 آذار بين أن يقبل بـ"أخذ" ما يسمى "الثلث المعطّل" في "حكومة وحدة وطنية" تشكّلها المعارضة التي ستغدو أكثرية بعد الانتخابات وبين الرضوخ لحكومة تشكّلها المعارضة لوحدها "اضطراراً"، ثم عاد وقال في مناسبة ثانية إن "الأكثرية البرلمانية لا تعني بالضرورة الأكثرية الشعبية وذلك نتيجة للنظام الطائفي". ومع أنه لم يتطرّق ولو كاحتمال نظري إلى إمكانية فوز 14 آذار بالأكثرية، فقد كان واضحاً أن في كلامه رسالة سياسية تحمل معنىً واحداً هو أن "حزب الله" ومن معه يريدون "الثلث المعطّل" أي يريدون الحسم مسبقاً بهذا الثلث على اعتبار أن لا مجال لتحصيل الأكثرية النيابية.

ثمة من يرى في هذا المواقف (ومعها موجات التوتر والانفعال واستحضار مناخ 7 أيار)، مقدمة يُفهم منها أن فريق 8 آذار بات موقناً، بالرغم من سيل استطلاعات الرأي الذي يبثها بشكل دوري، بأن استحقاق 7 حزيران سيتكشف، في الحدّ الأدنى، عن تجديد قوى الأكثرية لأكثريتها، وفي أبعد من ذلك أن تتخطى الأكثرية أكثريتها بزيادة مريحة، مضافاً اليها دخول مجموعة مستقلين من خارج الاستقطاب السياسي القائم، يقتضي الافتراض المنطقي أن مزاجهم السياسي لن يكون بعيداً عن مرجعيتي رئاسة الجمهورية والبطركية المارونية، وفي كلتا الحالتين بأنهم الى الفريق الاستقلالي أقرب. وبالتالي يضع أصحاب هذا الرأي مواقف قادة 8 آذار في خانة الهجوم الاستباقي لتبرير الهزيمة المتحققة.

لكن خطورة هذه المواقف، أنها تتضمن حجزاً مسبقاً للثلث المعطل في الحكومة المقبلة، تحت عنوان، أو بذريعة "المشاركة"، بما يعني تكريساً للأعراف غير الدستورية التي فرضتها المعارضة بعد أحداث 7 أيار الشهيرة، وما يمثله ذلك من مخالفة صريحة للأصول الدستورية، وتقاليد تشكيل الحكومات ومقتضيات العمل السياسي ولوازم العملية الديموقراطية، وأكثر من ذلك يفهم من هذه المواقف أن عدم تأمين هذا الشرط مسبقاً يمكن أن يخلط الأوراق الداخلية أو يؤثر في الانتخابات ونتائجها، وإذا كان الأمر كذلك فلماذا إجراء الانتخابات والعودة الى الشعب كي يقول كلمته في المرشحين وما يمثلونه من اتجاهات؟

الرفاعي: بدعٌ وهرطقات

هل ثمة نصّ دستوري أو عرف يُلزم الأكثرية تشكيل حكومة بثلث معطل تحت ذريعة المشاركة؟
كبير فقهاء القانون الدستوري في لبنان الدكتور حسن الرفاعي يؤكد أن "قواعد العمل الديموقراطي، منذ مونتسكيو وجان جاك روسو، والتي باتت بمثابة الأعراف المستقرة، تلزم الجميع بالرضوخ الى إرادة الناخبين وما يترتب عليها، وما يترتب على هذه الإرادة أن تكون أكثرية تحكم وأقلية تعارض، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكونا معاً وإلا تعطل البلد وتضررت مصالح الناس"، ويستحضر في هذا المقام مقولة البطريرك الماروني نصر الله بطرس صفير اذ شبّه واقع وجود الأكثرية والمعارضة في حكومة واحدة بعربة يجرها حصانان، واحد الى الأمام والثاني الى الخلف "ما يعني عجزاً عن التحرك والانتاج ومزيداً من التعطيل".

واذ يسخر ممن يقول "إذا نال غيرنا الأكثرية سننضم الى الحكم معه تحت عنوان الوفاق"، يصف هذا الكلام بـ"الهرطقة والبدعة التي لا أساس لها، قانونياً أو سياسياً أو دستورياً"، ويضيف الرفاعي "لقد علموا الناس أفكاراً خاطئة وصدقوا ما يقولون"، مذكراً بـ"اننا نعيش في بلد يحكمه دستور وليس اتفاق بين أشخاص أو عشائر"، مؤكداً بأن "كل ما هو خارج الدستور لا قيمة له".

الحريري: الدستور والطائف

حتى الآن، كان ثمة موقف إجمالي يبدو محسوماً لدى 14 آذار، عبّر عنه رئيس "تيار المستقبل" النائب سعد الحريري غير مرة، كما في مقابلة مع التلفزيون المصري أول من أمس، إذ حدد المشاركة بأنها تلك التي لا تعني التعطيل.. وإلا فالتزام مقتضيات العمل الديموقراطي والمحافظة على الأصول الدستورية في الحكم، معلناً "لقد اتخذت قراري في هذا الموضوع"، وفي إطار هذا الموقف فإن النائب الحريري ومعه قوى الأكثرية لن يقبلوا بعد الانتخابات النيابية، تمسكاً منهم باتفاق الطائف وبالدستور، بتكريس الاستثناء البدعة الذي مثله اتفاق الدوحة في ظروف سياسية استثنائية، لجهة الثلث المعطل. فالنائب الحريري يعتبر أن الأكثرية لن تشكل ما يسمى "حكومة وحدة وطنية" إذا عادت إلى المجلس الجديد بغالبية نيابية ولن تشارك في الحكومة إذا حولتها النتائج إلى أقلية. ويعتبر أيضاً أن الشرط الوحيد الذي يُلزمه والأكثرية، وطنياً ودستوياً، هو أن يكون أي تشكيل للحكومة منسجماً مع ميثاق العيش المشترك، بمعنى أن تتمثل فيها أطياف الاجتماع اللبناني، السياسي والطائفي والمذهبي كافة.

أما ان تكون "حكومة الوحدة الوطنية" حكومة تعطيل عمل مؤسسات الدولة وتعطيل اتخاذ القرارات، كما هو حاصل مع الحكومة الحالية، فهو أمر مرفوض لأنه يعوق قيام الدولة القوية وينعكس سلباً على العيش المشترك وعلى الوحدة الداخلية وعلى ازدهار البلاد وتقدمها، والتجربة القائمة خير شاهد، فـ"الثلث المعطل" يجمد آلية ممارسة الحكم، وحصول أي فريق سياسي عليه سيجعله هو الحاكم وليس الأكثرية.

تأسيساً على ذلك، يرى متابعون أن المشكلة مع "فريق الثلث المعطل" ليست في شكل الحكومة واسمها وصفتها ومكوناتها، بل في الاتفاق على برنامج واحد للحكم وإدارة الشأن العام تحت سقف مرجعية الدولة، وفي مدى الانسجام والتجانس المطلوب توافرها بين الفريق الحكومي الواحد، أما الاكتفاء بجمع الأضداد والأطراف المتخاصمة ضمن حكومة واحدة فهو تعريض للسلطة التنفيذية لأسر الابتزاز ومخاطر التعطيل في كل لحظة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل