أمّ المعارك
على بعد 81 يوما من الانتخابات النيابية المرتقبة في 7 حزيران المقبل، تبدو الصورة السياسية في لبنان أكثر وضوحا، بحيث لم يعد من مجال لأي تشويش أو غش للرأي العام. وبطبيعة الحال فإن الخداع الذي تعرض له اللبنانيون عموما، والمسيحيون تحديدا، لا يمكن أن يتكرر بأي شكل من الأشكال.
هكذا تتخذ معركة الانتخابات النيابية المقبلة طابع المعركة المصيرية ما بين مشروعين لا ثالث لهما: فإما قيام الدولة اللبنانية السيّدة والمستقلة بمؤسساتها الشرعية وبقواها الذاتية على كامل مساحة الأرض اللبنانية، وإما اتساع رقعة نفوذ دويلة "حزب الله" الى حدّ يهدد جديّا وبشكل كامل مبرر وجود الدولة اللبنانية.
فدويلة "حزب الله" التي كانت محددة جنوب الليطاني، إضافة الى الضاحية الجنوبية ومنطقة بعلبك- الهرمل، امتدت مساحتها في الأعوام الثلاثة الماضية بفضل التغطية التي أمنها النائب ميشال عون و"التيار الوطني الحر" لسلاح "حزب الله" غير الشرعي، وباتت تمتد الى شمال الليطاني بحيث أصبح قضاء جزين المسيحي منصة لإطلاق صواريخ "حزب الله" الإيرانية الصنع، بعد أن قامت مجموعات "حزب الله" بمصادرة الأراضي بقوة السلاح وحفرت الخنادق وأقامت التحصينات العسكرية بشكل بات يهدد كل المدنيين في المنطقة.
كما توسّعت دويلة "حزب الله" في عمق المناطق المسيحية في جبل لبنان في جبيل وكسروان، ولم يتردد جماعة "حزب الله" في وضع يدهم على كنيسة لاسا في جرود جبيل لتحويلها مصلى تحت تهديد السلاح، كما نشروا نفوذهم انطلاقا من مناطق البقاع وحدث بعلبك تحديدا مرورا في قرى وطرق منعزلة ضمن السلسلة الغربية من جبل لبنان وصولا الى شاطئ البحر الأبيض المتوسط، بحيث ضمنوا طريقا آمنة وسالكة تعبر عليها عصابات سرقة السيارات العصية حتى الساعة على الأجهزة الأمنية اللبنانية، وهذه العصابات تتخذ من مناطق عدة في البقاع الشمالي أوكارا لها.
ولن ننسى بطبيعة الحال القدرة العملانية للانتشار في عمق كسروان بعد حادث الخطف الذي وقع مؤخرا على يد مسلحين من "حزب الله" في منطقة البوار، بما يؤكد جهوزية الاستعدادات العسكرية في قلب المناطق المسيحية.
أما الحوادث الأمنية المتنقلة من الاعتداء على القوى الأمنية وضباط وعناصر في قوى الأمن الداخلي في مناطق عدة من الضاحية الجنوبية، الى حادث اختطاف المواطن جوزف صادر، مرورا بالانقلاب العسكري في 7 أيار وغزوة بيروت واجتياح الجبل، كل ذلك لا يخرج عن إطار الاستعدادات الدائمة لاستعمال القوة في الداخل.
وبذلك تكتمل الصورة عشية المعركة الانتخابية المقبلة. بعض أحصنة طروادة في المناطق المسيحية تحاول أن تغطي مرة جديدة سلاح "حزب الله" وتوسعه وممارساته، لتعطي صك براءة لاستمرار السلاح غير الشرعي على حساب الدولة اللبنانية، ولو اقتضى ذلك مهاجمة الجيش اللبناني وسلاح الجو فيه، ولو تطلب الأمر لعب دور "أبو ملحم" في قضية مصادرة كنيسة لاسا!
إن اللبنانيين أمام امتحان دقيق وحسّاس، فإما أن يصوّتوا لمصلحة مشروع قيام الدولة اللبنانية وإما أن يعطوا الضوء الأخضر لقيام دويلة "حزب الله" بشكل كامل. أما الشعارات الفارغة التي تتحدث عن إصلاح في حين أن المنادين بها غارقون في الفساد حتى أذنيهم فلا تعدو كونها "ديكورا" براقا لأحصنة طروادية يراد منها تخدير المسيحيين حتى ينقض عليهم البعض في عقر دارهم لضربهم في قلب مجتمعهم والإمساك بقرارهم وتحويلهم أهل ذمة!
ومواجهة هذه المشاريع لن تتم بأوراق تفاهم تكرّس الذمية، بل تكون في صناديق الاقتراع في "أمّ المعارك" المنتظرة، والمسيحيون سيكونون لها بالمرصاد.