#adsense

إصلاح؟

حجم الخط

إصلاح؟

هكذا إذن يا اخوان، دفعة واحدة وفي لحظة تجلّ مميزة في توقيتها، استفاق أهل التشريع وبدّلوا في ساعة واحدة، ما سبق وتكرّس على مدى عشرات السنين… والدورات الانتخابية، وانتبهوا الى اننا من بين كل دول العالم (كلها) التي تعتمد أي شكل من أشكال التصويت، كنا خارج النسيج، ونمنع من تخطى الثامنة عشرة من عمره من الاقتراع. فاقتضى التصحيح!

كثيرون يفترضون ان المسألة عملية إصلاحية مبدئية لنظام ناقص وبعيد عن العدالة في بعض نواحيه الدستورية الأساسية والحساسة. وكثيرون يفترضون ان النيات الحسنة وحدها، هي التي حرّكت جموع الإصلاحيين الضنينين بكل شرائح المجتمع اللبناني الكريم (وعقيلته) ودفعتهم أخيراً الى تلمس لغة العصر ومحاكاة أصول العدل في الرعية، والتشبه بقانون السير مثلاً، أو قانون الأحوال الشخصية، أو بأي قانون وضعي آخر يعترف ويقرّ بأن عمر الثامنة عشرة هو سن البلوغ، والمحطة الانتقالية الأبرز في حياة الإنسان التي تسمح له بإعتلاء ناصية التمييز بين الصح والخطأ، وإعمال عقله الى هذا الحد أو ذاك، في الحكم على ظواهر الأمور.

كثيرون افترضوا ذلك وأكثر منه، غير ان شبهة المزايدة الانتخابية تبدو طاغية وواضحة في هذا التفصيل التشريعي، بل في كل تفصيل تشريعي راهن.
الأمر بالنسبة الى البعض كان مبدئياً من دون شك. أما بالنسبة الى البعض الآخر فقد كان تعبيراً ملتوياً عن رغبة أكيدة بترجمة الواقع الديموغرافي القائم حالياً الى نصوص دستورية تسمح له بالاستفادة القصوى من فارق العدد الطاغي لمصلحته!

…قبل إندلاع الحرب الأهلية في العام 75 من القرن الماضي، كانت هذه القضية تحديداً، واحدة من أبرز مطالب قوى اليسار آنذاك، في مقابل معارضة شرسة لمعظم الرعيل السياسي القائم الذي كان يرى مخاطر مصيرية جسيمة على مواقعه إذا ما وافق على السماح بذلك الطغيان الشبابي (اليساري) بالوصول الى صناديق الاقتراع ومنها الى البرلمان. لكن لنتذكر معاً، ان معارضة تلك الخطوة الإصلاحية (من ضمن معارضة أي خطوة إصلاحية في الإجمال)، أدت الى ذلك الاصطفاف الحاد الذي أوقد نار الحرب ولم يعرف كيف يَئِدُها.

الصورة اختلفت جذرياً اليوم. ويكاد هذا النوع من الإصلاح أن يؤدي الى النتيجة ذاتها، التي صدمت وطن الأرز ودمّرته، وفتتته وشلّعته، وجعلت من شبابه وقوداً لنيرانه.

المسألة بسيطة وتستوجب أقصى درجات الصراحة وأكثرها وضوحاً: هناك خلل طائفي كبير راهناً في لبنان. جاء اتفاق الطائف وصحّحه وكبته تحت سقف السلم الأهلي. وكثيرون يتذكرون ان الرئيس الشهيد رفيق الحريري كان يقول لمن يريد مناقشة الأمر معه، ان أهم ما فعله ذلك الاتفاق هو انه "أنهى العدّ".. "خلصت القصة. البلد مناصفة ولا يقوم أو يبقى بغير ذلك".

اليوم، فجأة، شاء الإصلاحيون الروّاد أم أبوا، تعود "شبهة العدّ" الى الواجهة من تحت ستار تخفيض سن الاقتراع… الأمر يحتاج الى دراسة أوسع وأشمل من هذه العجالة، لكن بإنتظار ذلك، فإن الخشية كل الخشية، أن تكون مواكبتنا للعصر والعدل جاءت في الوقت الغلط، وأعادتنا من جديد خطوات الى الوراء الطائفي، المذهبي الأسود والمرير.

كان من الأفضل ربما، حفاظاً على كل شيء ومنعاً لكل تلك الهواجس السوداء، لو تم الأخذ بإقتراح "القوات اللبنانية" الذي ربط بين تخفيض سن الاقتراع وتمكين المغتربين من التصويت. ربما حينها يبقى الميزان مستقيماً من دون خلل واضح سيتمظهر أكثر فأكثر في الآتي من الأيام والسنين (؟).
ندعو الى كبت المشاعر المذهبية والطائفية وتخفيف حالات الاحتقان، ونعمل في الوقت نفسه على سقاية بذورها السامة بأيدينا… "إصلاح" يدعو الى الكآبة والحزن وليس العكس. والله أعلم.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل