#adsense

الانتخاب في الثامنة عشرة

حجم الخط

 الانتخاب في الثامنة عشرة

أخيراً أقرّ مجلس النواب حق الانتخاب للمواطنة والمواطن الذي أتم الثامنة عشرة من العمر، وهو حق طالب به كثيرون ومن زمن بعيد، ووجدوا فيه علامة على تقدم الشعوب وتطورها، وحقاً متكافئاً في الحقوق والواجبات أمام القانون، إذ من الصعب أن يكون من أتم الثامنة عشرة مسؤولاً أمام القانون عن أفعاله ومواطناً كامل المواطنية في واجباته وأن يكون ناقص الحقوق من حيث حقه في انتخاب من يمثّله في المجلس النيابي.. ولكن؟

هل فعلاً سن الرّشد هو الثامنة عشرة؟ وهل قامت دولتنا بما يتوجّب عليها عبر وضع بنيوية تربوية في معنى وأسس المواطنية، أم أن أبناء الثامنة عشرة سينتخبون بغرائزهم الطائفية؟ خصوصاً أن الحاجة الملحة والمفاجئة "الطائفية" و"المذهبية" كانت الدافع الأساسي والرئيسي والإحراج المتبادل كان وراء إقرار هذا الحق بنص القانون وبعد حسابات مناطقية واستئثارية لزيادة أعداد ناخبي الطوائف ولضمان الإمساك بـ "خوانيق" هذه القطعان وحصرية تمثيلها!!

شخصياً، لا أجد سن الرشد مناسباً في الثامنة عشرة من العمر، بل هو سن اكتمال فيزيولوجي بحت، عملياً، قناعتي بأربع حقبات عمرية يقطعها الإنسان ليستحق "إطلاق الحبل له على الغارب"، وأخطرها هذه الأخيرة، ونجدها في "القسمة النبوية" لأسس تربية الطفل ومراحل عمره، وهي القسمة الأمثل فكرياً وأخلاقياً، ففي الحديث الشريف:" لاعبوهم لسبع واضربوهم لسبع وصاحبوهم لسبع ثم أطلقوا لهم الحبل على الغارب"، والمرحلة الأخيرة "مرحلة الحبل على الغارب" تأتي بعد إتمام سن الحادية والعشرين، ومفتوحة على العمر الباقي..

ثمة أسئلة تفرض نفسها علينا، ومن الواجب مناقشتها على مستويات عدة تربوية وأخلاقية ووطنية وسياسية، هل أبناؤنا يعون وعياً كاملاً معنى المواطنية؟ وهل يملكون رؤية واضحة متبلورة عن الحياة السياسية في لبنان؟ وهل يوجد لدينا أصلاً حياة حزبية تتيح لأبنائنا تكوين خبراتهم وهم بعد على مقاعد الدراسة الثانوية ليكون بإمكانهم التمييز بين ما هو طائفي ومذهبي وما هو وطني؟ وهل تستطيع الأحزاب والتيارات السياسية أن تقوم بعبء تنوير عقول الشباب وتحضيرهم وتهيئتهم لينهضوا بعبء اختيارات سياسية، أم المطلوب فقط "أعداد زيادة" محسوبة بالأرقام و"عالراس" كأننا نبني "زرائب" لقطعان الماشية؟ورعاة السياسة بعضهم يحب قطعان الغنم الوادعة وطاعتها العمياء، وبعضهم يفضل "شلعات المعزي" لقدرتها على الشغب متى استدعت الحاجة والضرورة فيفلت القطيع المعلق كلّه بـ "كرعوب كرّازه"!!

المطلوب وحتى بلوغ العام 2013 وضع تصور علمي ووطني تربوي وأكاديمي في مدى زمني أقصاه عام، يتيح لشبابنا التعرف على السياسة كعلم وليس كـ "زعامات" وعلى لغتها كـ "مصطلحات" لا "شتائم"، وأن تتاح لهم ممارسة نشاطات سياسية عبر دورات متخصصة بعيدة عن تأطير عقولهم وغسل أدمغتهم، وإلا سنكون كمن يُعدّ أولاده حطباً لموقد الطوائف الدائم الاشتعال في لبنان!!

واليافع الذي يبلغ اليوم سن الرابعة عشرة من عمره علينا البدء بإعداده مواطنياً ليكون ناخباً حقيقياً لا صوتاً يسقط في صندوق بناء على تعليمات "البابا" و"الماما" والولاءات العائلية والمناطقية والإقطاعية والطائفية، حتى لا نترك مستقبل لبنان بين أيدي أبناء بالكاد غادروا عتبة الطفولة والمراهقة، ولم يمنحوا بعد فرصة لاكتشاف واقع الحياة ومراكمة خبرة حقيقية في مفاهيمه وقيمة..

الانتخابات ليست نزهة، هي مستقبل وطننا ومستقبل أبنائنا أيضاً الذين منحهم اليوم المجلس الموقّر حقهم في إلقاء أنفسهم في بحر التيارات والدورات الانتخابية، ومن دون أن تكلّف الدولة نفسها عناء تعليمهم مبادىء العوم في بحور السياسة اللبنانية الموحلة!!

المصدر:
الشرق

خبر عاجل