أكد تقدم المفاوضات مع عدد من الدول لتوفير برنامج حماية الشهود
فنسنت لـ"المستقبل": محكمة لبنان ستثبت فعاليتها قريباً
في كل مرة تعود إلى مقر المحكمة الخاصة بلبنان تكتشف جديداً.
في المرات السابقة، وقد فاق تعدادها السبع، كانت التغييرات بطيئة وقليلة.
هذه المرة، تتلمّس من كثب أن هذه المحكمة أصبحت بالفعل أمرا واقعا.
أكثر ما يلفت انتباهك بمجرد وصولك إلى هذه الضاحية الراقية والهادئة في لاهاي، وأنت تُلقي نظرة إلى المبنى الذي تقصد اليه علمُ المحكمة الخاصة بلبنان مرفوعا عاليا، يرفرف بأرزته الوارفة، مُعلنا أن الصورة التي كانت بمتناولك في الماضي القريب باتت من الماضي الأرشيفي وبالتالي عليك الآن أن تتأقلم مع الصورة الجديدة.
في الصورة الجديدة، كل شيء يسير بسرعة. القضاة أقسموا اليمين. رئيس المحكمة الإيطالي المخضرم أنطونيو كاسيزي لا يرتاح ولا يترك أحدا يرتاح. قاضي ما قبل المحاكمة البلجيكي دانيال فرانسون يعدّ نفسه لنقلته النوعية والمكانية. دانيال بلمار مع فريقه يعمل من السابعة والنصف صباحا إلى السابعة والنصف مساء، ويترأس يوميا اجتماعا لأركانه، موعده المستقر في التاسعة صباح كل يوم.الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون وبالتفاهم مع الرئيس كاسيزي عيّن رئيس مكتب الدفاع. قضاة المحكمة وبينهم القضاة اللبنانيون قطعوا شوطا كبيرا في وضع النظام الداخلي للمحكمة، الذي سيكون منجزا قريبا، في سابقة تاريخية في المحاكم الدولية التي لطالما استغرق وضع أنظمتها الداخلية وقتا طويلا جدا، فعلى سبيل المثال لا الحصر، ووفق ما يقول مسؤول العلاقات العامة والشؤون الخارجية في المحكمة بيتر فوستر، فإن النظام الداخلي لمحكمة كمبوديا التي سبق له وعمل فيها، استغرق وضعه سنتين.
هنا في لايسندام، تذكّرك المحكمة الخاصة بلبنان، التي تسميها صحف أوروبية وغربية اختصارا "محكمة الحريري"، بالرئيس الشهيد رفيق الحريري، حيث كان يؤكد، دوما، أن ورشة إعادة إعمار لبنان لا تستطيع أن تُعطي موضوعاً الأولويةَ على آخر، لأن الأولويات تتزاحم.
في المحكمة الآن، تتزاحم هذه الأولويات.
"السرية" المشكوّ منها حاليا، بسبب الدواعي الأمنية، ستنتهي قريبا جدا.قد تكون نهايتها اليوم أو أول يوم من الأسبوع المقبل.
مسجّل المحكمة روبن فنسنت، وهو أحد أركانها الأربعة إلى جانب الرئيس والنائب العام ورئيس مكتب الدفاع، يعد بأن بيانا سيتم توزيعه على كل وسائل الإعلام، في مهلة أقصاها الأسبوع المقبل، ويتضمن كل المعلومات الرسمية عما حصل في المحكمة، منذ اول آذار حتى تاريخ نشر البيان، بما في ذلك ما جرى في حفل قسم اليمين وفي عمليات الإنتخاب.
ويقول هذا "اللورد الإنكليزي" إن السرية في المرحلة الأولى من عمل المحكمة كانت استثناء، لأن الأمين العام للأمم المتحدة ألزم الجميع بها، حرصا على أمن القضاة اللبنانيين.
وعلى الرغم من أن الجميع في المحكمة بات بصورة ما تنشره وسائل إعلام سورية حول أسماء بعض القضاة، وأن العلنية المتسترة بالسرية هي في الشرق الأوسط أخطر على المعنيين بها من العلنية، إلا أنه لا يجزم بإمكان إعلان أسماء قضاة لبنان في هذه المحكمة المختلطة، وإن كانت التدابير التي اتخذت بناء على قرارات مجلس الوزراء، باتت تشجع أكثر على اعتماد العلنية.
في مقر المحكمة تكتشف في هذه الزيارة أن الثقة بالنفس أصبحت راسخة لدى العاملين فيها. في الأيام الأولى كان التفاؤل هو الغالب.هذا التفاؤل حوّلته المعطيات المتوافرة إلى ثقة بالمستقبل القريب.
ويقول روبن فنسنت الآتي من عمل أربعين عاما في حقل إنشاء المحاكم، الوطنية منها والدولية، إن المحكمة الخاصة بلبنان شهدت منذ اول آذار حتى اليوم، في مجالات عدة، تقدما ملموسا ومهما، وهذا ما سوف يتم التأكيد عليه بإعلانه في اقرب وقت ممكن.
ويشير فنسنت، الذي بات يشارك في جلسات عمل تنسيقية دورية لأركان المحكمة الأربعة، إلى نقطة مهمة، وهو يتحدث عن ثقته بمستقبل هذه المحكمة الاستثنائية، إلى أن هذه المحكمة ستكون محكمة فعّالة، ونحن نأمل أن يرى الآخرون، وتحديدا اللبنانيين الذين أُنشئت المحكمة من أجلهم، ما نراه نحن.
ويكشف فنسنت أن المفاوضات التي يجريها مع عدد من الدول لتوفير برنامج حماية للشهود الذين سوف يختارهم النائب العام، قد قطعت شوطا كبيرا، وسوف يشهد المستقبل القريب توقيع عدد من الاتفاقات، في هذا المجال مع عدد من الدول.
ويتحدث فنسنت بارتياح عن الأموال المتوافرة للمحكمة الخاصة بلبنان وللأموال التي جرى التعهد بها للسنوات المقبلة، ويؤكد أن الأموال المتوافرة للعام الأول قد فاقت الميزانية الموضوعة، وهذا الفائض موجود الآن في الاحتياط، ليكون بخدمة أي تطور يمكن أن يطرأ على المجريات التحقيقية.
وتسأل عما يقصد بذلك، فيقول بصراحة: "إذا جاء النائب العام وقال إن لديه تقدما حاسما في التحقيقات، وهو جاهز لبدء المحاكمات خلال العام 2009، فحينها سوف نرفع من قيمة الميزانية الحالية، لنتمكن من مواكبة المحاكمة".
ماذا عن الأموال المتوافرة ؟
للمرة الأولى، يكشف مكتب مسجل المحكمة عن الأموال الموجودة وعن الدول التي منحتها كما عن الدول التي وعدت بمبالغ للسنوات المقبلة .
الملاحظ في الجردة التي وضعت بعهدتنا، أن الدولة اللبنانية سددت المبالغ الملقاة على عاتقها والبالغة 26 مليون دولار اميركي، وهي بنسبة 49 في المئة من الميزانية الخاصة بالسنة الأولى.
في حين اعلنت دولة عربية واحدة مساهمتها للمحكمة، وهي دولة الكويت التي سددت كامل تعهدها للسنة الأولى بواقع 5 ملايين دولار أميركي. فيما ابقت الدول العربية الأخرى نسب مساهماتها المالية غير معلنة، وهي مجتمعة قدمت مبلغا مقداره 10 ملايين دولار أميركي.
وقدمت الولايات المتحدة للمحكمة وفق الجردة المتوافرة، 14 مليون دولار أميركي وتعهدت دفع 6 ملايين دولار للسنة المقبلة.
ودفعت فرنسا للسنة الحالية مليونا و500 الف يورو وتعهدت دفع مبالغ موازية للسنتين المقبلتين.
مبلغ رمزي يظهر الدعم المعنوي قدمته دولة يوغوسلافيا السابقة (صربيا) التي لها هي الأخرى محكمة خاصة هنا في لاهاي، بلغ 2000 دولار أميركي وهي تفوقت بذلك المبلغ على الأروغواي التي قدمت ألف و500 يورو.
أما الدول المانحة فهي كالآتي:
النمسا (دفعت 120 ألف دولار، وتعهدت مبالغ أكبر تدفعها لاحقا لهذه السنة وللسنوات المقبلة)، وبلجيكا (دفعت 175ألف يورو للسنة الأولى)، وكندا (دفعت من أصل مليون و962 ألف دولار مبلغ مليون و23 ألف دولار)، والجمهورية التشيكية (سددت مليونا و83 ألف دولار)، وفرنسا (سددت كامل تعهداتها للسنة الأولى)، وألمانيا (دفعت مليون دولار)، والمجر (دفعت 10 آلاف دولار تعهدتها)، وإيرلندا (لم تسدد بعد الـ50 ألف يورو التي تعهدت دفعها)، وإيطاليا (سددت المليون دولار) وكذلك فعلت اليابان، وإمارة اللوكسمبورغ (لم تسدد بعد تعهدها دفع 36 ألف يورو)، وهولندا (ومن خلال تقديمها للمقر، تكون قد سددت، ومن خارج الميزانية المحسوبة، 6 ملايين دولار)، الدول العربية التي لا تريد أن تكشف اسمها دفعت 9 ملايين و999 الف دولار، وروسيا (سددت نصف مليون دولار التي تعهدتها )، والسويد (سددت 166 الف دولار التي تعهدتها)، وتركيا (دفعت 50 الف دولار وتعهدت مبلغا مماثلا للسنتين المقبلتين)، وبريطانيا (سددت المليون دولار وسوف تدفع لاحقا 600 ألف جنيه استرليني وعدت بها).
وهكذا يظهر بوضوح أن أربع دول دائمة العضوية في مجلس الأمن قدمت للمحكمة مساهمات مالية مهمة.
وقد أدى ذلك إلى فائض في الميزانية المقررة للسنة الأولى بلغ 12 مليون دولار من المبالغ المسددة، و15 مليونا قياسا إلى الأموال الموعودة .
والموجود حاليا لمصلحة المحكمة مجموعه نحو 62 مليونا و638 الف دولار ، في حين أن الميزانية (من دون بدء المحاكمات) هي 50 مليونا و400 ألف دولار أميركي.
يقرأ روبن فنسنت الأرقام ويقول، بعد أن يشير إلى الأرقام الموعودة للسنوات المقبلة :"هذا لم يحصل في محاكم أخرى".
فارس خشان