عبرةٌ لمن اعتبر
خلال هذه الفترة التي تمتد حتى مساء السابع من حزيران، سيسمع اللبنانيون الكثير من التصريحات والاقوال والبيانات التي ما كانوا يظنون يوما انها تصدر عن هذا الذي قذفت به الاقدار في غفلة الى واجهة لا يليق بها ان تتسع لامثاله، ولذاك الذي وعد نفسه بجنة الرئاسة ولو مشى فوق الجماجم وسبح في بحور من دماء، او ذياك الذي صدّق انه اصبح من الزعماء حتى بكت الزعامة ومزّقت سترها.
وسيشعر الناس المهذبون المتحضرون بالخجل والوجل والاشمئزاز، وهم يصغون الى بعض المهووسين بالوجاهة، والمتعطشين الى المناصب، وطالبي كرسي السلطة ولو في الصين. وسيقولون بصوت واجف: لقد هزلت حقا.
وهزُلت الزعامات، وهزُلت المراتب، وهزُلت التقاليد والقيم والاخلاق والاذواق والكلمات.
وفي الآتي من الايام سيكون هناك المزيد من هذه الترهات والهزليات والكوميديات الاقرب الى التراجيديات. من هؤلاء الاشخاص الذين ابتلي بهم لبنان في غفلة من الزمن، وفي غلطة من الاقدار…
لكنها الانتخابات. وانتخابات ما بعد الانهيار المريع الذي عاشه لبنان واللبنانيون غصبا عنهم، على امتداد سنوات الذل والعار تنذكر وما تنعاد.
والى ان يستعيد لبنان عافيته، ومكانته وعاداته وطقوسه، لا بد ان يجتاز الامتحان الانتخابي الذي يصرّ المخضرمون على اعتباره المفترق، او المنعطف، او المطهر، او الخطوة الاولى في مسيرة العودة الى لبنان الاصول، لبنان الدولة والمؤسسات والقانون والازدهار والاستقرار.
لقد بدأت التصفيات الاولى، ولو في صورة غير رسمية بالنسبة الى المرشحين الذين تكاد اعدادهم تنافس اعداد الناخبين.
ووضعت القِدرة فوق النار في انتظار ان يبدأ الغليان، وتاليا انطلاق عملية فرز الاسماء، وفرز اللوائح، وفرز القمح عن الزؤان، وفرز الاوهام عن الحقائق، وفرز البهورات والمتبهورين عن المرشحين الجديين الذين سيتواجهون في السابع من حزيران.
كأنما هي الانتخابات التأسيسية التي انتجت بخواتيمها استقلال 1943، واعطت للبنانيين والعالم الميثاق الوطني الذي ترجمته صيغة تعايش هذا العدد الهائل من الطوائف الى نموذج حاز اعجاب ارقى امم الارض، مثلما اعطت للمنطقة العربية مسحة او جزيرة يقصدها طالبو العلم والمعرفة والثقافة والطبابة والراحة والاستجمام والامان.
وكأنما هي الانتخابات، او الخطوة السياسية الجديدة التي ستتيح للبنان فرصة جديدة تمكنه من العودة الى ما كانه وما كان عليه، قبل السقوط في الفخ، بل قبل طوفان الحروب المتعددة الهوية والهدف والعنوان.
فيعود لبنان الى نفسه، ويستعيد تلك المقومات والمناخات والاجواء التي اهلته في غابر الازمنة ليحتل مركزا خاصا جدا، ومكانة جذبت اليه مشاهير العالم ونجومه واقطابه في مختلف الحقول.
هذه هي الانتخابات، بمضمونها وجوهرها وهدفها، والتي يحاول بعض المتسلّقين والانتهازيين والوصوليين حرفها عن وجهتها، وتفريغها من غاياتها الوطنية والتاريخية.
نقول مع الرئيس ميشال سليمان، ان من يحاول اثارة مخاوف الناس حيال الامن والهدوء خلال هذه الانتخابات، سيدفع هو الحساب في صناديق الاقتراع. هذه هي العبرة، وعبرة لمن اعتبر.