رصد ديبلوماسي لتراجع الأحداث ذات الخلفية السياسية والتهدئة مع دمشق
ما هي المعايير التي تحكم عدم التدخل السوري في الانتخابات؟
يتوقف مراقبون اجانب، متابعون للوضع في لبنان، عند تطورين مهمين في اطار رصد تأثير التطورات الاقليمية منذ تسلم الرئيس الاميركي باراك اوباما الرئاسة في الولايات المتحدة الاميركية . الاول تراجع الحوادث الامنية بمعنى تلك التي شهدها لبنان، ليس من حوادث اغتيالات او اعتداءات بالتفجير بل حوادث كتلك التي حصلت في طرابلس او في المخيمات في صيدا والجنوب. اذ ان فورة الحوادث دفعة واحدة كانت لافتة ثم توقفت دفعة واحدة كأنما ثمة مايسترو واحد او كلمة سر تطلق هذه الحوادث وتوقفها للتعبير عن اقتناع بأن ثمة اعتبارات اقليمية كانت تقف وراء اندفاع مثل هذه الحوادث الى الواجهة ثم خمودها دفعة واحدة .
والتطور الآخر هو التهدئة على صعيد العلاقات اللبنانية – السورية اذا صح التعبير والتي لفت في شأنها ما اورده البرنامج الانتخابي لقوى 14 اذار السبت الماضي في الذكرى الرابعة لانطلاق "انتفاضة الاستقلال" من دعوة "الى انهاء الخلاف مع سوريا وبناء علاقات طبيعية معها" والتي شرطها "وقف التدخل السوري في الشؤون اللبنانية" واستمكال ما التزمته سوريا حيال المجتمع الدولي في تنفيذ الاجراءات التي تؤكد احترامها سيادة لبنان واستقلاله.
ومع انطلاق الحوار الاميركي – السوري، وانهاء الخلاف السعودي – السوري، بالتزامن مع تسريب كلام سوري على توافق على عدم التدخل في الانتخابات النيابية في لبنان من جهة، وتنبيه الولايات المتحدة وعدد من الدول المهتمة سوريا بوجوب التزام عدم التدخل في الانتخابات من جهة اخرى، يطرح هؤلاء المراقبون تساؤلات مثل: ما هي المعايير التي يمكن ان يحكم عليها للتأكد من التزام سوريا عدم التدخل في الانتخابات. وايضا: هل ان سوريا لا تتدخل فعلا؟ وهل يمكن الوثوق بالكلام او التعهدات السورية العلنية في هذا الاطار؟ وهل يمكن الركون الى مراقبة الانتخابات يوم الانتخاب والتي يبدي عدد كبير من الدول استعداده للمشاركة فيها، للجزم بعدم وجود تدخل وللحكم سلبا او ايجابا على نزاهة الانتخابات؟
ويتوقف هؤلاء عند بعض الحوادث الامنية في الجنوب التي تحصل ضد خصوم انتخابيين للقوى الفاعلة هناك، في حين لا تبرز القوى الامنية نشاطا ملحوظا يؤدي الى الحد من هذه الحوادث او وقفها؟
ويقول هؤلاء إن هذه المعطيات مهمة باعتبار ان الداخل اللبناني، ولا سيما موقف قوى 14 آذار، يشكل ميزانا من الموازين التي يمكن ان يعتمدها عدد من الدول للحكم على تدخل سوريا او عدم تدخلها في الانتخابات، وخصوصا اذا كان ذلك مؤكداً بقرائن واثباتات متقاطعة وليس مجرد مواقف سياسية. والجميع يعرف ان سوريا تدور الزوايا بين حلفائها تحضيرا للوائح الانتخابية وتذليلا لمطالب بعضهم باعتبار ان فوز قوى 8 آذار يشكل اولوية لها في المرحلة الراهنة. وثمة شخصيات لبنانية من المعارضة تزور دمشق دورياً، بعضها في زيارات معلنة وبعضها الآخر في زيارات غير معلنة، فضلا عن ان معطيات متعددة تتحدث عن وجود مكاتب تؤثّر في المفاتيح الانتخابية وخصوصا في مناطق تمتع فيها الجانب السوري سابقاً بسيطرة كبيرة. وهناك توقع كبير لتأثير المجنسين الذين سيأتون من سوريا في زمن الانتخابات ايضا. ويقوّم بعضهم التدخل السوري او عدم حصوله كما في السابق بغياب العمليات الامنية خصوصا بعد اتفاق الدوحة حيث غابت الاعتداءات على شخصيات من قوى الرابع عشر من آذار، خلافاً لما كان عليه الحال في الاعوام الثلاثة السابقة. ويقول هؤلاء ان التهدئة الامنية التي سرت بعد اتفاق الدوحة وصولا الى الانتخابات هو ما يقصده الغربيون اساسا، وحتى العرب، في بياناتهم الرسمية عن عدم التدخل. في حين ان الاقرار الضمني بمصالح سوريا ونفوذها في لبنان يقود هذه الدول الى غض النظر عن لعبة النفوذ التي تمارس عبر إعداد اللوائح الانتخابية والتأثير في الانتخابات عبر ادوات متعددة امتلكتها سوريا خلال وصايتها على لبنان ولا تزال تملك الكثير من هذه النقاط. وثمة من يلاحظ ان هناك تسليما ضمنيا وتعاطيا موضوعيا من قوى 14 اذار وهذا الواقع، على رغم معرفتهم بأن لسوريا اليد الطولى في ترتيب الوضع بين حلفائها في ما يتعلق بالانتخابات وخصوصا ان بعض المراجع في المعارضة يقول، ردا على بعض عروض المرشحين، بأنهم ينتظرون ليروا الموقف السوري في هذا الاطار لحسم قبول ترشيح هذا او ذاك. وغالبية قوى الرابع عشر من اذار لا تُخفي اعتقادها لا بل اقتناعها بأن فوز قوى 8 اذار في الانتخابات سيكون مكسبا لسوريا التي تكون قد ردت على خروجها عسكريا من لبنان بالعودة اليه نفوذا سياسيا كان موجودا عبر مجلس النواب والحكومة معا، وحتى عبر رئاسة الجمهورية. وهذا ما سيؤمنه لها فوز 8 آذار في حال حصوله بحيث تكون الاكثرية في مجلس النواب ضامناً لنفوذها السياسي مجددا وكذلك التأثير في الحكومة، بما يترك الهامش ضيقا جدا امام رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان ايضا. وهذا الاقتناع يشارك فيه عدد كبير من الدول ايضا، ولكن من دون الاشارة الى "تدخل" سوريا في الانتخابات انما الاقرار بأن المعارضة هي حليفتها وتلقى دعما كبيرا منها ولذلك تمثل وتحفظ لها الكثير من مصالحها راهنا، كما ستكون عليه الحال في المرحلة المقبلة من خلال الاستنتاجات نفسها.
