Site icon Lebanese Forces Official Website

صدمة السيادة بين إرث الوصايات وهواجس الجمهور الاستقلالي

صدمة السيادة بين إرث الوصايات وهواجس الجمهور الاستقلالي

على امتداد حروب "الآخرين" على لبنان عقوداً كان على معظم أطراف الصراع، (وجلهم مرتبط بالخارج)، ان ينسوا السيادة والاستقلال باسم السيادة والاستقلال. وان يستخدموا "المقاومات" (ولبنان كان كله مقاومات متنوعة ومصونة) تحل محل السيادة والاستقلال. وان يرفعوا شعار "عروبة لبنان" ليحل محل السيادة والاستقلال، وليهتفوا بالعنفوان والكرامة ليحلا محل السيادة والاستقلال؛ و"ليناضلوا" من اجل التقدمية والاشتراكية والشيوعية بكافة "اطيافها" (ماوية وسوفياتية وليبرالية ويمينية وبعثية وناصرية وحتى كيم إيل سونغية) لتحل محل السيادة والاستقلال، ولينشدوا التحرير (شعار التحرير كان عمومياً كالهواء والماء… ودخان الحرائق) ليحل محل السيادة والاستقلال، وان يقسموا البلد مذاهب وطوائف وعشائر وأحزاباً ومنظمات وحركات لتحل محل السيادة. كان على الجميع (وخصوصاً اهل السلاح والميليشيات) ان يستخدموا كل شيء لخدمة أهدافهم وتطلعاتهم وطموحاتهم (المُملاة من الخارج طبعاً) لاعدام فكرة السيادة والاستقلال. فكل شيء كان مطروحاً: بابل من الشعارات والدماء والقتل والحروب والمجازر والتحاليل والايديولوجيات وحتى الصلوات والشعائر… الاّ السيادة ! عندها، وعلى امتداد تلك الحروب، كان كل من يفكر، مجرد تفكير، بالسيادة، يعتبر خائناً أو "عنصرياً" (لبنانياً) أو حالماً… أو خطراً.. أو تافهاً أو طفيلياً! هذا الواقع المتراكم من الظواهر المتراكمة حوّل كثيراً من رأي الشعب عندنا بنفسه، ومن مفهومه لكل شيء، ولتاريخه ولجغرافيته ولذاته ولوجوده ولكليته ولجزئيته، بحيث صار كل كلام عن السيادة بالنسبة اليه "وهماً" قاتلاً، أو "حقيقة" مستحيلة او صدمة موجعة. حتى بات كل فريق يخترع "سيادته" الخصوصية، و"استقلاله" الذاتي ويرسم لهما حدوداً، او تُخوماً واقعية على قد طموحاته، واقتناعاته. وهذه الحدود "السيادية" (الطائفية عموماً) لم تكن أكثر من مساحات ترسمها الصراعات الخارجية، والأطماع الاقليمية واشكال النفوذ العربية والاسرائيلية لتصبح مجرد محميات يتربّع عليها "وكلاء" فرضوا وجودهم "الاحتلالي" بالدم والنار والحروب والقمع والتهجير وبخطب غرائزية، شكلت غطاء سميكاً احياناً عن أرباب هؤلاء "الاصليين" في الخارج. وهذا ما جعل لبنان الصغير اكثر من لُبنانَين وثلاثة وأربعة… حتى باتت أحياناً كل بقعة، أو زاروب او زقاق أو منطقة لبنانَ سيادياً، مستقلاً عن لبنان الكبير. ونظن ان اخطر ما أفرزته هذه "السياديات" (الميليشيات) المصغرة اعادة صوغ تاريخ البلد: فالجغرافيات السيادية تحتاج الى تواريخ وربما اساطير وخرافات لتكريسها وتحتاج الى ناس يؤمنون بها ايمانهم بأن المقتطعات السيادية والخرائط المقسمة هي وطنهم الصغير ضمن فضاء الوطن الكبير. وقد رحل الأمر الى تقطيع اوصال هذا التاريخ، عبر قراءات مونولوجية، لا توفر قديم لبنان حتى الفينيقيين والعرب وحتى الأفكار والايديولوجيا وصولاً الى مفاهيم عن "اللبنانية" و"العروبة" والأساطير القديمة والمدن؛

كل شيء خضع لقراءة هذه التهويمات السيادية المستحدثة بمفعول رجعي الى الوف السنوات، من دون ان ننسى ادراك هذه المراجعات تواريخ الأديان واللاهوت والطوائف، بحيث تجزأ كل شيء على امتدادات التاريخ والجغرافيا والأفكار ليبرر المناحي التقسيمية المرتبطة بمنطق الحروب وأهدافها. والأغرب ان هذه الظواهر لم توفر الأمكنة والشجر والطيور والشوارع والجبال والمياه، فقُسّمت وصُنّفت ضروباً "طائفية أو ايديولوجية" أو "جدلية" حتى تخطت الى "نظريات عنصرية" لم يتورع بعض اليسار عن تبنيها كمثل نظرية "الطبقة الطائفية" ذات الاصل الصهيوني او النازي سيان! ومن الطبقة الطائفة انتقلت التصنيفات الى الأمكنة والحيوانات والطيور… فكان عندنا هنا شارع وطني بهوائه ودجاجه وناسه… وديوكه وبرغله وعدسه ومتاجره… وهناك شارع غير وطني: الأبيض والأسود كان لون "القارة" اللبنانية المقصومة والقاصمة.

كل هذه التهويمات كانت جزءاً من ترسيخ الوصايات المتعاقبة التي نفت كل احتمال او كل وجود للسيادة بل وكل صراع يمكن أن يندرج في أي اطار استقلالي: كل شيء كان بديلاً "موضوعياً" من كل نزعة سيادية: حتى ان كلمة "لبنان" كانت أحياناً ضيفاً ثقيلاً على الحناجر والأفواه والأصوات.. والمواقف: فاستخدام "اللبنانية" بالمعنى السيادي او بالمعنى التلفيقي كانت بالنسبة الى كثيرين انحرافاً الى العنصرية تصب عند اسرائيل أو عند سواها من الأنظمة العربية.
فالسيادة كانت "صدمة" على اللبنانيين لأنها استبدلت بأقنعة الحروب، حتى صار الكلام عن وحدة لبنان ضمن اطار جمهوري او دستوري كلاناً غير مقبول.

ومن ناحية أخرى، صار الكلام على السيادة بالنسبة الى "الأوصياء" المتنقلين عندنا منذ 1969 نوعاً من الصدمة ايضاً. بل والكلام على "شعب" واحد كان كذلك صدمة "مريعة" لهم: فلبنان مجموعة اراضٍ "مشاع" لمجموعة شعوب وجدت بالمصادفة، وفي تواريخ "ملفقة" وعلى هذا الاساس كان لا بد من استخدام هذه "الأفكار" لتبرير احتلالهم السافر أو المقنع: فمثل هذه الشعوب المتناحرة لا يمكن ان يكون لها وطن (فالوطن سيادة) ولا يمكن أن يكون لها ارض موحدة (فتوحيد الأرض اساس الكيان) وتالياً لا يمكن ان تتمتع بأي سيادة… او باستقلال أو حتى بادارة ذاتية أو "بسلطة" مستقلة: فالوصاية هي بديل الارض والشعب والسيادة والاستقلال والاستقرار والأمن والاقتصاد والتاريخ والطوائف: وعليه ليس للبناني ان يطالب بشيء: ليس عنده ما يملكه، او يتصرف به، او يقرره: فلتوزع الوصايات اذاً: بين اسرائيل وبين الفصائل الفلسطينية وبين النظام السوري وما بين هؤلاء تقاطعات: النظام العراقي والليبي… حتى حروب التحرير (الداخلية) وضد اسرائيل كانت تتم على حساب السيادة؛ فقرارات الحرب والسلم كانت في ايدي المنظمات الفلسطينية (وكان عندنا في الجنوب "فتح لاند") وعندما ضُربت المقاومة الفلسطينية وحَلّت محلها المقاومة الاسلامية (حزب الله ايران سوريا) كانت المقاومة (برغم كل انجازاتها الكبيرة في التحرير) على حساب السيادة… شيء غريب! ان يحتفل الشعب اللبناني بمقاومة فلسطينية ضد اسرائيل ولا قرار له في ذلك والأغرب ان يحتفل الشعب اللبناني بالمقاومة الأخرى (حزب الله) ولا قرار له فيها: يعني ان المقاومين ضد اسرائيل والمقاومات الداخلية التحريرية (الاحزاب "المسيحية") كانت كلها على حساب السيادة:حركة تحرير ضد اسرائيل مثلاً يجب ان تترافق مع التنازل عن الدولة السيادة الاستقلال الشعبّ منطق اغرب من الخيال تبناه "اللبنانيون:" على اختلاف طوائفهم وأحزابهم حتى "الشهادة"! واللافت ان صدمة السيادة ومن خلال تلك القناعات كأنها كانت واحدة عند اللبنانيين والوصايات المتعاقبة. فاللبنانيون يتخلون عن سيادتهم للآخرين للاسباب التي ذكرنا بعضها والآخرون يتمسكون بسيادتهم على لبنان انطلاقاً من "مشاعر" اللبنانيين: فاي تجانس غريب في تاريخ اغرب، وجغرافيا مهومة وسياسات لوناتيكية!

الصدمتان اذاً: صدمة الوصايات أو الاحتلالات بأي تفكير بالسيادة، وصدمة اللبنانيين بعدم التفكير بالسيادة!هذا الواقع قد تكون له اسباب نفسية تتصل عموماً باليأس، وقد تكون له منحرفات تاريخية تتصل بتركيبة لبنان، وقد يكون له ايضاً منطلقات جغرافية تتنازعها الايديولوجيات والعقائد من قومية عربية بحيث اختلطت فكرتها بارتهان لبنان لمرجعيات بعض الأنظمة، ومن شيوعية ويسارية بحيث اختلطت الأفكار "الأممية" بارتباط البنى والأحزاب بمرجعيات سوفياتية او غير سوفياتية، او حتى بقومية لبنانية تبحث لها عن ملاذ عند بعض الذين يرون فيها وسيلة أخرى لتعميق التجزئة والانتماء والانفصال عن المحيط، بحيث ادى ذلك احياناً الى وضع خرائط تقسيمية تعبث بمكونات البلد، وباستقلاله العمومي. وهنا بالذات يمكن وصل هذه الارتباطات بالاهداف السياسية من ضمن مخططات الصراع على البلد وهنا يمكن ان نفهم محاولة ركوب اليسار اللبناني (تحت شعار عروبة لبنان في الحروب السابقة) القضية الفلسطينية لتغيير النظام بالقوة، وكذلك يمكن ان نفهم استغلال بعض الأحزاب اليمينية بالقوة ايضاً (اللجوء الى سوريا واستخدام هذه الأخيرة الاحزاب اليمينية لتكون رأس حربة محاربة المقاومة الفلسطينية ليتجلى ذلك في معارك تل الزعتر واسقاطه.

اذاً، هناك، وعلى حساب "السيادة" معارك تثبيت نظام او تغييره بالقوة: فكيف يمكن ان يقوم وطن سيادة بارادة خارجية، وكيف يمكن التفكير بوطن ديموقراطي اُسِّس على القوة والعنف واللاديموقراطية: فالديموقراطية قد تؤدي احياناً الى الديموقراطية، لكن الدكتاتورية تؤدي دائماً الى الدكتاتورية.
هذه الحقائق التي ظُهرّت ميدانياً وعلى امتداد الحروب وتوجت باستيلاء الوصاية السورية (بمشاركة الوصاية الايرانية) في السنوات الأخيرة (بعد تصفية كل حضور "عربي") كان لا بدّ ومن ضمن ظروف تعتمل في الداخل وفي النفوس الى ان تحدث صدمة مضادة عند اللبنانيين او على الأقل عند شريحة كبرى لديهم؛ وعندما اغتيل الرئيس الشهيد رفيق الحريري كأنما انفجرت هذه الاعتمالات كلها دفعة واحدة انفجرت في بركان شعبي يشبه المعجزة: من كل مكان، وان كان لهذا الحدث ـ الهزة مقومات تجسدت في مواجهات غير متكافئة مع الوصاية. وكانت الصدمة المضادة: اليقظة الحية المنتبهة والملتهبة معاً (كالشعر تماماً) لتشكل السيادة البند الأول في حركة 14 آذار وتؤدي بعد الحركات الشعبية المليونية الى انسحاب قوى الوصاية في لبنان. وهنا بالذات يمكن الكلام على صدمة سيادية ايجابية مقابل الصدمات ـ السلبية الماضية. وكان للجمهور ان يؤكد وجوده: يتحسس وجوده كأنما ليتفقده بعد كل هذا الغياب الطويل، ويتلمس ملامح دولة لم تكن دولة بل كانت مصادرة اما من الميليشيات (اثناء الحروب) ام من الدويلة التي ما زالت موجودة. وهنا بالذات يمكن الكلام على ظاهرة غريبة جديرة بكتب السحر والغرائب والطرائف: اهل التحرير الذين حرروا الجنوب وقاوموا العدو وهزموه، ها هم يقاومون اهل السيادة والاستقلال: انفصام بين التحرير (وهو صلب السيادة اصلاً) وبين السيادة (وهنا يمكن التمييز احياناً كثيرة بين السيادة والاستقلال على صعد كثيرة حتى الاقتصادي والعسكري والسياسي منها). هذا الانفصام اوجد نوعاً من ممانعة كل توق الى احتضان الشعب بقراره الفاصل، وهنا بالذات يمكن الكلام على استمرار الصدمة السلبية عند 8 آذار بشأن هذه السيادة: فهي مع "التحرير" وضد السيادة، وذلك لارتباطها بالوصايتين، واكثر، وهذا لتمكين عودة النفوذ الخارجي (كما كان يتم في حروب الميليشيات) تحت شعارات التخوين (تأملوا ان اهل التحرير يتهمّون الاستقلاليين بالخيانة) واعادة لبنان مجرد رقعة مبهمة ومشاعة ومنصة لحروب الآخرين، تحت ذرائع تحرير "مزارع شبعا" او تحرير القدس او "تحرير" الامة كلها من لبنان باذنه تعالى!

هذه الصدمة السلبية (من السيادة) عند آذار، هي ارتدادات الصدمات المتتالية عند الوصايتين: فهما تعتبران ان سعي اللبنانيين الى تثبيت سيادتهم على ارضهم يشكل تهديداً "جوهرياً" لهم: تماماً كما يشكل تهديداً مباشراً على حلفائهم المحليين. واذا اعتبرنا ان الدولة تنظم السيادة عبر الديموقراطية المباشرة، وعبر المؤسسات (الجيش، القوى الأمنية) مجلس النواب، الحكومة.. فيعني ان على وكلاء الوصايتين ان "يقاوموا" الدولة وسيطرتها على كل الاراضي اللبنانية، وازالة الدويلات والبؤر الأمنية المزروعة بأيدٍ خارجية حليفة لهم. وهذا ما يفسّر الاغتيالات التي اصابت رموزاً من 14 آذار وهذا ما يفسر حركة العميل شاكر العبسي "رديف" 8 آذار والمحاولات الانقلابية العديدة وغزو بيروت وتشويش دور الجيش والاعتداء على بعض افراده واغتيال بعض ضباطه وكذلك محاصرة الحكومة وتعطيل مجلس النواب واحتلال وسط بيروت… وغزوة 7 أيار… كل ذلك لاستيعاب صدمة السيادة المنتفضة التي تجسدت في نجاح 14 آذار في الانتخابات الماضية، والتظاهرات المليونية المتعاقبة التي كانت أولاً وأخيراً استفتاء أكثرياً للاستقلال والسيادة والدولة، وكانت الدرع الواقية لإنجازاتها.

ولعلّ إصرار 8 آذار على مقاومة الدولة والسيادة والاستمرار في المراهنة على الحروب والخارج وتهديد الوحدة الوطنية عبر تكريس الكانتونية البارزة في بعض الضواحي، أوجد نوعاً من القلق العميق عند الجمهور السيادي: هذا القلق عُبِّر عنه في النزول الكثيف الى الشارع في التظاهرات، وكذلك عبر دعم الدولة (المهددة من 8 آذار)، وعادت الهواجس القديمة تقض مضجع الجمهور الاستقلالي، إزاء مظاهر العنف والتهديد وانتشار السلاح وضرب السلم الأهلي والترويع والتخويف وتصريحات بعض أركان الوصايتين بعزمهم على تثبيت الوضع الراهن التعطيلي بالعنف والقوة والابتزاز وبدعة الثلث المعطّل حتى ولو نالت 14 آذار الأكثرية في الانتخابات النيابية. وهذا يعني بالنسبة الى جمهور 14 آذار (السلمي بامتياز) أن هذا الثلث المعطل لا يعطل فقط مفاعيل الانتخابات ولا الديموقراطية وإنما يبقي نفوذ الوصايتين السورية والإيرانية داخل الحكومة، كما كان داخل مجلس النواب عندما أقفله رئيسه بروح برلمانية عالية. كما أن ما يُهَجّس جمهور 14 آذار أيضاً هو استبقاء قرار الحرب والسلم في قبضات الخارج (عبر حلفاء الداخل)، وهذا من شأنه أن يُبقي البلد على شفير دائم من الخطر، باعتبار أن على الشعب اللبناني أن يتحمل وحده تبعات حروب يعلنها سواه، ليصبح في النهاية كله (أي الشعب) موضع شبهة وتخوين وغزو واعتداء وترعيب وازدراء واحتقار (فالذي يتجاوز شعبه في اتخاذ القرارات الكبرى إنما يحتقره بل وينفيه وكأنه نفايات متراكمة أمامه). بل ويذهب الأمر ببعض جمهور 14 آذار الى القول: أنه إذا لم تغير نتائج الانتخابات وجهة الحكم الى مزيد من السيادة والاستقلال والديموقراطية فماذا ينفع إجراؤها. وهذا التدارك يعود الى سيل التصريحات التي يدلي بها والممارسات التي يقوم بها بعض "عتاولة" 8 آذار…

Exit mobile version