أمهات لبنان
لا يختلف حال أمهات لبنان كثيراً عن حال لبنان، في أحسن الأحوال كلاهما يعيشان على قلق دائم، ثمة قدر يُطارد هذا الوطن، فخياراته ضيقه وكل أم بين خيارات ثلاث لولدها: إما شهيد قتلاً مع سبق الإصرار بالاغتيال أو بالاختيار،أو شهيد لأنه عبر حيث كان القدر يترصده، وإما مهاجر أو مشروع مهاجر..
من يستطيع أن ينسى اليوم أم وسام عيد التي تلقي التحية على صورته، ومن يستطيع أن ينسى هذه الحرقة التي تطل دموعاُ من عيني بهية الحريري فالأخت تصبح أماً أحياناً، ومن يستطيع أن ينسى اليوم مسحة الحزن الأزلية على وجه الشيخة جويس الجميل وهي تحدق في صورة بيار الذي لن يلقي عليها تحية العيد.. ومن يستطيع أن ينسى اليوم الصمت العميق الذي يلف ايفيت الصوري منذ باتت تشاهد أجمل بناتها مي شدياق "نصف جسد"، ومن يستطيع أن ينسى اليوم حرقة قلب أم سمير قصير على شبابه البهيّ، ومن يستطيع أن لا يختنق اليوم بدموع أمهات كثيرات، من هناك من أقصى رميش حيث أم فرانسوا الحاج مروراً بكل قرى الجنوب، وصولاً إلى أقصى عكار..كأن قدر أمهات لبنان فقد الشباب، وأي قدر قاسٍ هذا؟!
مذ ولادتنا ونحن نحمل قدرنا البشري "المذهل" معنا: "أحبب من أحببت فإنك مفارقه"، ووطأة الفراق شديدة المرارة تزداد وطأتها ومرورتها كلما تراكمت السنون، فكيف إذا أتى الفراق مزدوج الوجع وجع القتل ووجع الغياب..
لكلّ هؤلاء الأمهات،لأمهات شهداء لبنان، قادة كانوا أو مواطنين عاديين، أو جنوداً وضباطاً، وردة عيد ومحبة، لأن أمي اختارت قهراً وقسراً أن تحرق قلبها غربة أخي حتى لا تقتله الحرب، فأرداها غيابه في غربة مستمرة..
من حق أمهات شهداء لبنان علينا، كلهن سواء اللواتي بكين اغتيال أبنائهن الشباب الشهداء ظلماً وعدواناً، أم أولئك اللواتي أسلمنهن طائعات لقدر قتل أسمينه الاستشهاد في القتال، سواء اللواتي ذرفن دمعة وحرقة، أم اللواتي ذرفن دمعة وادّعين زغردة، الفقد والغياب واحد في المشاعر الإنسانية..
ولأمهات يترقبن بخوف ويرقبن بقلق الأولاد يكبرون وما من متسع بعد في هذا البلد، وكلما ولد لهن أفق مستقبل مشرق سُنَّت سكاكين كثيرة إقليمية ودولية لذبح هذا المستقبل.. قاسم مشترك واحد يجمعهن كلهن في هذا الوطن الخوف من وعلى غد أولادهن .. حتى اللواتي ينتظرن اليوم بفرح زهوة العيد وهداياه وباقات الزهر، في عيون أمهات لبنان حزن عميق يستحق أن نحترمه بصمت، لأنه في عمقه وفي صمته يقول الكثير عن لبنان ـ القدر، الذي يشبهنا ونشبهه في الوقوع والقيام..
وأخيراً، لأمي:لو كنت هنا لجلبت لك الورد اليوم، لا على جري عادتي "بعد العيد" بكم يوم!! خمسة عشر عاماً، كأنها الأمس، كأنها الآن حدثت اللحظة المروعة الأولى التي وقع فيها علي جبل الفراق وسحقني، لو كنتِ هنا لكنت أنجزت أحلاماً وأعمالاً كثيرة كنت المحرك الأول لإنجازها.. أعرف أنك حيث أنت تعرفين أخباري، أخبارنا، وأعرف أيضاً أنكم حيث أنتم لا تأتيكم الصحف ولا تقرؤونها،إلا أنني واثقة أن صمتي سيصلك وكلماتي أيضاً، وتلك الأغنية "يا إمي"…