في انتظار جواب إسرائيل عن حدود انسحابها من الجولان
سليمان حسم الجدل برفضه المفاوضات الثنائية
حسم الرئيس سليمان في مؤتمره الصحافي الذي عقده في باريس الجدل الذي كان قائما حول الدخول في مفاوضات مباشرة او غير مباشرة مع اسرائيل بإعلان رفضه هذه المفاوضات، معتبرا ان الملفات العالقة مع الدولة العبرية محكومة بالقرارين الدوليين 425 و1701 بدون اي شروط، مبديا استعداده للاشتراك في اي مؤتمر سلام يستند الى مرجعية مدريد.
ويذكر ان الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي كان قد دعا لبنان الى الانضمام الى محادثات مباشرة او غير مباشرة مع اسرائيل للدفاع عن مصالحه ولئلا تهمل هذه المصالح او تضيع بسبب اصراره على البقاء بمنأى عن هذه المحادثات، فيما اسرائيل تفاوض سوريا والسلطة الفلسطينية على الاسس التي تصلح لعقد اتفاق سلام.
وكان قد حصل تباين في الرأي داخل قوى 8 و14 آذار حول دخول لبنان في محادثات مباشرة او غير مباشرة مع اسرائيل، توصلا الى اتفاق على تحرير مزارع شبعا من الاحتلال الاسرائيلي عوض ان تقود سوريا وحدها هذه المحادثات فتضيع حقوق لبنان في هذه المزارع، التي لا تزال تقع تحت احكام القرار 242 وهي الاحكام نفسها التي يقع تحتها الوضع في الجولان، وهو ما يجعل سوريا المحاور الطبيعي في شأنهما، وان لبنان لا يحق له ذلك الا بعد نقل وضع مزارع شبعا من احكام القرار 242 الى احكام القرار 425، وان هذا القرار نفسه لا يدعو الى التفاوض مع اسرائيل بل يدعو الى انسحابها من الاراضي اللبنانية التي تحتلها بدون شروط. وهذا ما استند اليه الرئيس سليمان بقوله ان الملفات العالقة بيننا وبين اسرائيل، اي الثنائية، تندرج في اطار القرارين 425 و1701 ويقضيان بالانسحاب غير المشروط من الاراضي اللبنانية المحتلة ولم تبادر اسرائيل الى تنفيذهما حتى الآن. وقد طلب من الرئيس الفرنسي المساعدة على تنفيذ القرار 1701 الذي لا تزال اسرائيل تستمر في خرق السيادة اللبنانية والتمادي في تهديداتها باستهداف لبنان وشعبه وبنيته التحتية ومؤسساته.
الى ذلك، ترى اوساط قوى 14 آذار ان مطالبة لبنان بترسيم حدود مزارع شبعا هدفها ليس معرفة ملكيتها فقط بل وضعها ايضا تحت احكام القرار 425 الذي يفرض انسحابا اسرائيليا منها بدون شروط، فلا تظل كما هي حاليا واقعة تحت احكام القرار 242 الذي يفرض اجراء مفاوضات مع اسرائيل حولها وتبقى ملكيتها بالتالي موضوع نزاع.
وتستغرب الاوساط نفسها ان تطلب سوريا من اسرائيل ترسيم حدود هضبة الجولان، وهي واقعة تحت الاحتلال الاسرائيلي مثل مزارع شبعا، فكيف يكون في الامكان ترسيم الحدود في الجولان وعدم التمكن من ترسيمها في هذه المزارع، وهو ما يجعلها تخشى ان يكون لدى سوريا نية الاستيلاء على مزارع شبعا في تسوية تتم مع اسرائيل على حساب ملكية لبنان لها، اذ انها تقول حينا ان ملكيتها هي للبنان وترفض تقديم مستندات موثقة تؤكد ذلك. وتقول حينا آخر ان هذه المزارع ما دامت تحت الاحتلال الاسرائيلي فانها ليست للبنان ولا لسوريا. وعندما يزول هذا الاحتلال يصير الاتفاق على ملكيتها… اي انها تريد ان تجعل وضع مزارع شبعا شبيها بوضع هضبة الجولان بينها وبين اسرائيل.
ولقد دعا رئيس حكومة اسرائيل ايهود اولمرت قبل الانتخابات الاسرائيلية الى الانسحاب من كل الجولان قائلا: "ان 2000 متر لن تؤثر على امن اسرائيل"، غامزا بذلك من قناة ايهود باراك الذي عندما كان رئيسا للحكومة اقترح انسحابا من كل الجولان، لكنه اصر على الاحتفاظ ببضع عشرات من الامتار قرب شاطئ بحيرة طبريا فرفض الرئيس حافظ الاسد ذلك، وها ان ابنه الرئيس بشار يطالب بما كان يطالب به والده، اي الانسحاب، الكامل من الجولان. وهذا يعيد موضوع الخلاف على حدود هذا الانسحاب هل يكون الى حدود الرابع من حزيران 1967 ، ام الى الحدود الدولية التي تقررت عام 1932 في هيئة الامم المتحدة بين الانتداب البريطاني الذي كان على ارض اسرائيل والانتداب الفرنسي على سوريا ولبنان. فعام 1949 تقرر ان تكون هذه الحدود هي خط الهدنة بين اسرائيل وسوريا، اما خطوط 4 حزيران 67 فهي الحدود بين اسرائيل وسوريا عشية حرب الايام الستة، وتدعي اسرائيل ان سوريا سيطرت بالقوة على ارض مثل هضبة بانياس والحمى والشاطئ الشرقي لبحيرة طبريا، من عين غيف الى مصب نهر الاردن، فسيطرت بذلك على ربع البحيرة، كما تدعي اسرائيل ان العالم لا يعترف الا بالحدود الدولية، وكل مطالبة بحدود اخرى ليست شرعية. لذا، فان مطالبة سوريا بانسحاب اسرائيلي الى ما وراء الحدود الدولية، تعتبرها الدول امرا مشروعا.
والسؤال المطروح الآن هو: هل ستستأنف المفاوضات غير المباشرة التي يقودها الوسيط التركي بين اسرائيل وسوريا لتصبح في حال تقدمها مفاوضات مباشرة، وهل للبنان مصلحة في الانضمام اليها او الدخول منفردا فيها، لئلا تتم صفقة البيع والشراء في غيابه؟
ثمة من يدعو الى مفاوضات ثلاثية: اسرائيلية – سورية – لبنانية، لان الموضوع لا يقتصر على تحرير الاراضي المحتلة، بل ينبغي ان يتناول مشكلة اللاجئين الفلسطينيين، لئلا يؤدي عدم حلها الى توطين يفرضه الواقع وان مرفوضا. وثمة من يقول كما قال الرئيس سليمان من باريس ان الملفات العالقة بين لبنان واسرائيل تحكمها قرارات مجلس الامن، وتحديداً القراران 425 و1701 وكلاهما لا يدعو لبنان الى الدخول في مفاوضات مع اسرائيل لتنفيذهما، وتحديدا البندان 8 و9 من القرار 1701، اللذان يلقيان مسؤولية تنفيذ مضمونه على الامين العام للامم المتحدة.
ومهما يكن من اختلاف الآراء، فانه لا بد من انتظار مرحلة انتقال سوريا من المفاوضات غير المباشرة عند استئنافها الى مرحلة المفاوضات المباشرة، وكذلك انتظار تشكيل الحكومة في اسرائيل كي يبنى على الشيء مقتضاه، فالرئيس الاسد قال في مقابلة مع صحيفة ايطالية انه "على رغم ثقته بالادوار الديبلوماسية لدول مثل تركيا وفرنسا في المنطقة فان واشنطن فقط هي التي يمكنها الضغط على اسرائيل"، وعبر عن رغبته في معاودة المفاوضات مع اسرائيل لكنه أبدى قلقا من صمود زعيم تكتل ليكود اليميني بنيامين نتنياهو بعد الانتخابات، وان هذه عقبة كبرى امام السلام، واكد "ان سوريا واسرائيل كانتا قاب قوسين او ادنى من توقيع اتفاق سلام ورئيس الوزراء ايهود اولمرت الذي ابدى استعدادا للانسحاب من كامل هضبة الجولان"، وافاد ان سوريا طلبت من اسرائيل توقيع مستند تتعهد فيه الانسحاب الكامل من الهضبة حتى حدود 1967 وتعليم الحدود في ست نقاط على الخريطة، لكن اولمرت تهرب من تقديم جواب شاف، وبعد ايام بدأت الحملة العسكرية الاسرائيلية على غزة، ما ادى الى وقف المحادثات".
ويرى المراقبون ان اعطاء اسرائيل الجواب لسوريا حول حدود الانسحاب من الجولان هو الذي يقرر استئناف المفاوضات او استمرار توقيفها، وقد تكون حكومة نتنياهو المرتقبة اشد تصلبا من الحكومة الحالية بالنسبة الى هذا الانسحاب.