لم تعد المتاجرة بـ"الفزاعة" مسموحة بعدما أسقط التعديل الدستوري
"التوطين" يفضح صدقية "8 آذار"
أسقط نواب "8 آذار" في الجلسة التشريعية أول من أمس، إقتراح التعديل الدستوري المتعلق بإسقاط التوطين نهائياً، عبر جعل الفقرة "ط" من مقدمة الدستور غير قابلة للتعديل إلا باجماع مجلس النواب.
اللافت في الامر، أن هذا الفريق، استغل فزاعة "التوطين"، لدغدغة مشاعر جمهوره، وادخلها "البازار الانتخابي"، واتهم "14 آذار" مراراً وتكراراً بـ"التورط" في مخطط لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان، لكنه حين وصل الامر الى سحب هذا الموضوع من التداول نهائياً، عبر تحصين الاجماع الوطني حول رفض التوطين، بنص دستوري واضح وصريح، تذرع نواب "8 آذار"، بـ"أن تعديل مقدمة الدستور يمس الميثاق الوطني"، فأسقطوا الاقتراح.
لا شك في أن اقتراح التعديل الدستوري أحرج "8 آذار"، منذ تقدمت به لرئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان، بعدما تحوّل موضوع توطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إلى سلعة يتداولها السياسيون في منتدياتهم. وإذا كان الرئيس السابق إميل لحود قد ابتكر هذه "الفزاعة" بالتعاون مع نظامه الامني ـ المخابراتي وأغرق في استغلالها، فإنه ورّثها من بعده الى "عماد الرابية" الذي يواصل استخدام البدعة نفسها في بازاره السياسي، فلا يتأخر عن طرحها في مؤتمراته الصحافية، وكلما سمحت له الفرصة لذلك، بشكل تحريضي وتخويفي يستهدف استثارة مشاعر المسيحيين، ويزكي "العنصرية" ضد اللاجئين الفلسطينيين في لبنان.
إذ يمكن اعتبار ما جرى في مجلس النواب ضربة لمصداقية هذا الفريق في التعاطي السياسي، و"فضيحة" لازدواجيته في الممارسة السياسية القائمة على سوق إتهامات لا أساس لها من الصحة، من أجل الاستثمار السياسي.
فهل انتهى موضوع التوطين عند هذا الحد؟ وماذا يعني رفضه سياسياً؟ وهل ستعاود "14 آذار" الكرة من جديد، عبر طرح إقتراح التعديل الدستوري مجدداً، انطلاقاً من دحض نظرية الفريق الاخر، التي اختبأ خلفها لاسقاط التعديل؟
حرب: انتهينا من "حرتقات" 8 آذار
في هذا السياق، لم ينته الموضوع عند هذا الحد بالنسبة للنائب بطرس حرب، الذي أكد لـ"المستقبل"، أنه في ضوء إسقاط التعديل الدستوري "لا يمكن القيام بأي شيء في موضوع التوطين، في انتظار انتخاب مجلس نيابي جديد".
وشدد على أن ما حصل في مجلس النواب أول من أمس، "هو تأكيد وتسجيل موقف بالنسبة لقوى" 14 آذار" من موضوع التوطين، فقد كان ذلك ضرورياً، كي ننتهي من "حرتقات" 8 آذار، واتهامها لنا بالتآمر والسعي لتوطين اللاجئين الفلسطينيين في لبنان".
وإذ يذكر حرب بالاجماع الوطني حول رفض التوطين، والذي تجلى في مقدمة الدستور، لا يحبذ الدخول بأسباب إسقاط 8 آذار التعديل الدستوري الذي يسقط التوطين نهائياً. كما يفضل عدم التعليق على نظرية رئيس مجلس النواب نبيه بري بأنه" لا يمكن النواب الـ 128 أن يغيّروا الميثاق اللبناني"، ويكتفي بالقول "لا أريد التعليق على هذه النظرية، التي لا تستقيم بالقانون".
ويؤكد حرب "أنه من الطبيعي أن نحاول مرة ثانية، لتحصين الموقف الوطني من التوطين، ولكننا ننتظر الظروف المناسبة التي تتيح ذلك".
حوري: انكشفت الاوراق
عضو كتلة "المستقبل" النائب عمار حوري، فوجئ بإسقاط فريق الاقلية للتعديل الدستوري، ما رأى فيه "فضيحة للفريق الاخر، تؤكد بأن كل ما طرحه سابقاً من اطروحات حول التوطين، لم تكن سوى اطروحات ذات أهداف انتخابية ضيقة".
وقال لـ"المستقبل": "منذ اتفاق الطائف، وموضوع رفض التوطين أصبح محسوماً باجماع وطني تمت ترجمته في مقدمة الدستور، إلا أن البعض بدأ في السنوات القليلة الماضية، المتاجرة السياسية في هذا الموضوع، محاولاً إلصاق تهمة التوطين بفريق الغالبية النيابية، من دون أن يفرق بين موضوع التوطين، وموضوع حق العودة".
وأضاف: "تمادى هذا الفريق في اتهاماته، مستنتجاً من خياله اوهاماً متعلقة بالتوطين، لإيجاد خلل مذهبي وطائفي، وبعد أن استنفذنا كغالبية، وسائل الاقناع بالنقاش المباشر، وبعد أن رأينا أن هذا الفريق مستمر في نكء هكذا جرح من ناحية، وإهانة اخواننا الفلسطينيين من ناحية ثانية، عبر الاصرار على نظرية المؤامرة، دفعنا مضطرين الى تقديم اقتراح التعديل الدستوري".
وبعد ما حصل في مجلس النواب، اعتبر حوري "أن أوراق الفريق الاخر باتت مكشوفة، ولم يعد يحق له ذكر موضوع التوطين".
أبي نصر: التعديل لزوم ما لا يلزم
في المقابل، رأى عضو تكتل "التغيير والاصلاح" النائب نعمة الله أبي نصر، في حديثه لـ"المستقبل"، أن "اقتراح التعديل الدستوري هو لزوم ما لا يلزم، كون النص الدستوري واضح، والجو السائد في البلد يرفض التوطين". ولكن "كان هناك إصرار على طرحه"، يقول أبي نصر "وقد صوتنا مع الاقتراح، الذي لم يكن ليلحق الضرر لو اقر بإجماع المجلس، رغم اننا كنا نفضل أن لا يطرح على التصويت".
واعتبر "أن مقولة أن هناك من يستعمل التوطين فزاعة مقولة خاطئة، لأنه تم توطين 70 ألف فلسطيني في العام 1994، وربما أصبحوا اليوم 90 الفاً، وهذا ما تم توثيقه في تقرير لوزير الداخلية بالوكالة أحمد فتفت، كان قدمه للجنة الحوار".
ولكن، لماذا لم يصوت حلفاؤكم في "8 آذار" مع التعديل؟، يجيب أبي نصر "هذا شأنهم، ولم نتداول في الموضوع معهم، إلا أن ما يحكمنا كتكتل في مواضيع كهذه، هو الثوابت الوطنية والميثاق الوطني". ويعتبر "أننا حققنا انتصاراُ في المبادئ، وتخطينا الحواجز في موضوع يتعلق بالمصلحة الوطنية، من أجل الحقيقة، كما نقف الى جانب معرفة الحقيقة في جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري ورفاقه، لأن هناك أبرياء قد استشهدوا، وفي مقدمهم رئيس وزراء كبير، بغض النظر أن هناك "14 آذار" أو "8 آذار".
في المحصلة، لم ير أبي نصر في حديثه،أن هناك طرفاً لبنانياً يريد التوطين، طالما هناك إجماع على رفض التوطين، مؤكداً "أن التوطين لا يجب أن يتم"، من دون أن يجيب مباشرة عن سؤال مفاده، لماذا لم تقف "8 آذار" الى جانب التعديل الدستوري الذي يسقط التوطين نهائياً؟
ألا أنه ختم بالقول، " لقد جارينا النائب بطرس حرب في دعايته الانتخابية".
تذكير بـ"الاسباب الموجبة"
وللتذكير، فقد جاء في الأسباب الموجبة لاقتراح قانون التعديل الدستوري الذي قدمه نواب "14 آذار": "يواجه لبنان أخطاراً عديدة تهدد مستقبله ووحدته ومصير شعبه، ومنها خطر توطين الإخوان الفلسطينيين الذين لجأوا إلى لبنان بانتظار تنفيذ القرار الدولي 194 الذي ينص على حق العودة إلى وطنهم، وهو ما يرفضه العدو الإسرائيلي الذي يعمل على توطينهم في الدول التي لجأوا إليها. إن مخاطر التوطين على حق الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة من جهة، وعلى وحدة لبنان وهويته وسيادته من جهة ثانية، دفعت اللبنانيين إلى الإجماع على رفض التوطين والتجزئة والتقسيم، وإلى تكريس هذا الإجماع في الفقرة (ط) من مقدمة الدستور اللبناني التي جاءت تؤكد توجه المادة الثانية من الدستور.
ولما كان العدو الإسرائيلي يعمل جاهداً للحؤول دون عودة الشعب الفلسطيني إلى أرضه، وهو يجد بكل أسف بعض التجاوب في الأوساط الدولية، ما قد يسمح له باعتماد سياسة الأمر الواقع وفرضه على الفلسطينيين وعلى لبنان من خلال مشاريع التسويات التي يتم التداول فيها سراً وعلناً، ولما كان الموقف اللبناني موحداً حول رفض أي مشروع للتوطين أو التنازل عن أي قسم من الأراضي اللبنانية، ارتأى نواب "14 آذار" العمل على حسم هذا الأمر وطنياً وإخراجه من سوق المزايدات والاتهامات والخلافات السياسية، وتفادي استغلال العدو الإسرائيلي لمواقف بعض القوى السياسية التي تتهم قوى سياسية لبنانية أخرى بالموافقة على توطين الفلسطينيين، ولا سيما أن بعض الجهات السياسية في لبنان تثير قضية التوطين وكأنها موضع خلاف بين اللبنانيين، متهمة لبنانيين آخرين بالعمل على حصوله.
ولما كان هذا الاتهام عارٍ عن الصحة ويثير جدلاً يصب في مصلحة العدو الإسرائيلي الذي سيتذرع حتماً به لتسهيل حصول التوطين. ولما كان من غير الجائز السماح باستمرار هذه الاتهامات والمزاعم، بل من الواجب وضع حد سريع لأي جدل يخدم مصالح العدو الإسرائيلي. وحسماً لهذا الأمر قرر النواب الموقعون العمل على إقرار تعديل دستوري يمنع نهائياً أي احتمال للتوطين وذلك بإضافة فقرة جديدة على المادة /79/ من الدستور، تنص على أن الأكثرية المطلوبة لتعديل الفقرة (ط) من مقدمة الدستور لجهة تجزئة لبنان أو تقسيمه أو القبول بالتوطين، أو لتعديل المادة الثانية من الدستور هي إجماع أعضاء مجلس النواب عليها. وهو ما يحول عملياً دون حصول أي تعديل يسمح بتمرير التوطين أو التنازل عن أي قسم من الأراضي اللبنانية".