هل ترضى إيران بـ "الشرعية العربية" بديلاً من مواصلة التسلل عبر النوافذ الخلفية؟!
يعود التوتر "المستجد" بين النظام العربي الرسمي والجمهورية الإسلامية الإيرانية، إلى أعوام خلت، عندما قررت الولايات المتحدة الأميركية إسقاط نظامي طالبان في أفغانستان، وصدام حسين في العراق، لأسباب تتعلق بـ"مكافحة الإرهاب".
التوتر العربي ـ الإيراني
سهّلت إيران للأميركيين الإطاحة بالنظامين الأفغاني والعراقي، واستأنفت جهودها لـ"التسلل" إلى الواقع العربي، من خلال دعمها حركات المقاومة (لبنان وفلسطين)، أو حركات التمرد (الحوثيون في اليمن)، أو عبر محاولة ربط الشيعة في البلاد العربية بها، من خلال نظرية ولاية الفقيه، الأمر الذي أثار حساسيات كثيرة، منها ما يتعلق بالولاء الوطني، ومنها ما يتعلق بالبعد المذهبي.
والواقع أن الدول العربية، ولا سيما الخليجية منها، كانت قد استشعرت خطر إيران عليها مبكراً، فساندت العراق، مطلع ثمانينيات القرن الماضي، في صراعه الدموي مع إيران على أساس خوفها من تمدد الثورة الإيرانية تجاهها، وبالفعل فقد شكّل نظام صدام حسين لسنوات طويلة سداً منيعاً في مواجهة هذه الثورة، لحين غزو الجيش العراقي للكويت، وتداعي الأمن العربي تالياً، ثم إخراجه منها بالقوة، ومواجهة النظام العراقي الراحل لانتفاضتين؛ شيعية وكردية. في هذه الفترة بدأت المخاوف تتجدد من عودة إيران إلى الساحة العربية، فأطلق الملك الأردني عبد الله الثاني تصريحه الشهير حول الهلال الشيعي، وصدر كذلك الكلام التشكيكي من الرئيس المصري حسني مبارك حول ولاء الشيعة لأوطانهم، ثم صدر تحذير العلامة يوسف القرضاوي من نشر التشيّع المدعوم من إيران في البلاد ذات الغالبية السنية. (وقد جدد تحذيره قبل أيام محذراً من "تسارع الخطوات الإيرانية لتصدير ثورتها لبلدان المنطقة")، وصولاً إلى قطع المملكة المغربية علاقاتها بإيران هذا الشهر، بسبب "نشاطات ثابتة للسلطات الإيرانية، وبخاصة من طرف البعثة الديبلوماسية بالرباط، تستهدف الإساءة للمقومات الدينية الجوهرية للمملكة والمس بالهوية الراسخة للشعب المغربي ووحدة عقيدته ومذهبه السني المالكي".
ترتيب البيت العربي
شكّلت الحرب على غزة، وانقسام العرب إزاءها بين "معتدلين" و"ممانعين"، جرس إنذار للدلالة على خطورة ما آلت إليه أوضاع البيت العربي من التردي. ولم يكن خافياً ما لإيران من دور في تسعير حدة الخلافات العربية التي ظهرت جلية في "سباق القمم" الذي طبع الأسبوع الأخير من الحرب على غزة. ووسط هذا الواقع جاءت مبادرة خادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز في قمة الكويت الاقتصادية، لإعادة ترتيب الأوضاع العربية، بما يقطع الطريق على إيران من مواصلة التسلل إلى الواقع العربي عبر النوافذ الخلفية.
الدور الإيراني كان قد أظهر العديد من المشكلات ذات الخلفية المذهبية في عدد من البلاد العربية، ولا سيما في العراق، والبحرين، ولبنان، والكويت (أزمة تأبين عماد مغنية ـ أزمة دخول الشيخ محمد باقر الفالي)، والسعودية (أحداث البقيع الأخيرة على سبيل المثال) وغيرها. كما أظهر إمكانية غير مسبوقة لإيران في إشعال الحروب أو إقفال الجبهات إن أرادت، نظراً للعلاقة الوثيقة التي تربطها بـ"حزب الله" والفصائل الفلسطينية المقيمة في دمشق. فضلاً عن ذلك فإن إيران ماضية في مشروع التشييع الممنهج في العالمين العربي والإسلامي، وهي باقية على احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث، وهي تواصل استفزاز البحرين بين الفينة والخرى، تارة بتحريك الشيعة هناك، وتارة بإنكار السيادة البحرينية (تصريحات علي أكبر ناطق نوري مؤخراً، والتي اعتبر فيها أن البحرين هي المحافظة الإيرانية رقم 14). وفوق ذلك كله، فإن الملف النووي الإيراني بحد ذاته يشكل تحدياً في كل الحالات، سواء أفضى إلى سلاح نووي، أو إذا ما أُجهض عسكرياً من قبل الغرب و"إسرائيل"، أو إذا ما استمر شد الحبال بين إيران والغرب، لأن ذلك يعني استمرار لعب إيران بأوراقها في المنطقة.
إذاً، "التعامل مع التحدي الإيراني"، وفق تعبير وزير الخارجية السعودي الأمير سعود الفيصل، كان عاملاً أساساً وراء الجهود المكثفة التي تبذلها المملكة العربية السعودية راهناً، لتحقيق المصالحة الفلسطينية برعاية مصرية، والمصالحة العربية التي يفترض أن تتكرس في قمة الدوحة القادمة. وتأمل المملكة العربية السعودية من خلال هذه الجهود "بناء رؤية عربية مشتركة إزاء المساس بالأمن العربي"، بما يجبر إيران على التعاطي مع القضايا العربية "من خلال الشرعية العربية"، والتعبير للأمير سعود الفيصل أيضاً.
هل ترضى إيران باحترام "الشرعية العربية"؟
من الصعب توقّع أي تجاوب إيراني مع الرغبة العربية باحترام "النظام العربي الرسمي"، ذلك أن إيران لا تعترف بهذا النظام من الأساس، وهي تسوّق نفسها في العالمين العربي والإسلامي على أنها راعية حركات التحرر، ـ والتي تختلف "أجنداتها" في كثير من الأحيان مع "النظام العربي الرسمي" ـ ، كما أن رؤيتها للإسلام لا تنفصل عن دورها في نشر المذهب الشيعي الإثني عَشَري. ولدى إيران الكثير من مساحات الفراغ التي ترغب بملئها ولا سيما في العراق، الجار الأقرب، إضافة إلى أفغانستان وباكستان، والعديد من الدول العربية والإسلامية الأخرى. فضلاً عن ذلك فإن النزعة الثورية التي يتسم بها النظام، لا سيما في زمن المحافظين، لا تسمح بالموافقة على ما يحدّ من الطموح القومي، والذي يعتبر حالياً الملف النوي عنوانه الأبرز.
وإزاء ذلك، فليس على العرب أن يتوقعوا "طواعية" إيرانية مع رغباتهم، ولكن عليهم أن يرمموا بنيانهم برؤية مشتركة، تعمل المملكة العربية السعودية على صياغتها، عبر محاولة إغراء سوريا بـ"العودة إلى الحضن العربي"، وإرضاء "الغرور" القطري قدر الإمكان، وقطع الطريق أمام المزايدات الفارغة في الملفات الكبرى، ولا سيما ملف الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وحل الإشكالات العربية الداخلية، سواء بين الدول العربية، أو "داخل" الدول العربية، بما لا يسمح لأحد بالتسلل إلى البيت العربي.
هل تنجح المملكة السعودية في هذا المسعى؟ المهمة تبدو صعبة، خصوصاً مع وجود حكومة اليمين الإسرائيلي المتطرف، التي توحي تركيبتها بخلق إرباكات كثيرة، تفتح شهية المزايدين في المنطقة، وتزيد من جمهور المواجهة مع "إسرائيل" كخيار يمكن للعرب اللجوء إليه، بعد اليأس والإحباط الواضحين من مسيرة "السلام". كما أن المهمة ستكون صعبة أكثر إذا ما فاز تيار المحافظين مجدداً في إيران، أو إذا ما تفاعل الملف النووي الإيراني بشكل دراماتيكي… لكن الهدف يستحق المحاولة… ومرة تلو مرة أيضاً.